الآثار الاقتصادية الناجمة عن انضمام الجمهورية العربية السورية الى منظمة التجارة العالمية (الايجابيات والسلبيات) ‏

‏د. احمد ابو الشامات‏
التحديات والسلبيات التي تواجهها الجمهورية العربية السورية من جراء انضمامها الى منظمة التجارة العالمية ووسائل تجاوزها‏

لابد من الاشارة قبل كل شيء الى الكثير من التغييرات التي تفرضها قواعد منظمة التجارة العالمية والتي يشكل الالتزام بها تحديا بحد ذاته هي ضرورية للاقتصاد السوري. كما ان بعض هذه السياسات اصبحت ضرورية (مثل تحديث القوانين الخاصة بالصناعات الغذائية لكي تتوافق مع المعايير الدولية) لكي تتمكن الصناعات السورية من التصدير بحرية الى الاسواق العالمية في الوقت نفسه سيكون هناك تكلفة في المستقبل المنظور على الاقتصاد السوري قد يفضل البعض تسميتها بالسلبيات وسوف نذكر بعضا منها:‏

1­ خسارة عوائد جمركية من جراء تخفيض التعريفات الجمركية:‏

سوف تؤدي المفاوضات حول الدخول الى الاسواق الى تخفيض في التعريفة على بعض السلع الزراعية والصناعية وهذا شبه مؤكد نظرا لان التعريفات الجمركية في سورية مرتفعة مقارنة مع الدول النامية الاعضاء وفي هذا المجال من الضروري ان تقوم جهة مختصة بدراسة معمقة لهيكلية التعريفة الجمركية ومعدلاتها ووضع عدة سيناريوهات يتم التفاوض على اساسها.‏

2­ احتمال ارتفاع اسعار بعض المنتجات الملكية الفردية: الخاضعة للحماية وفقا لاتفاقية التريبس كبرامج الكمبيوتر: لاشك ان تأمين الحماية للمنتجات الفكرية هو توجه اساسي للحكومة لاتقتضيه الواجبات القانونية فحسب بل تقتضيه ايضا الموجبات الاخلاقية. ولا شك ان ذلك ينعكس ايجابا في المدى البعيد على قدرة سورية على جلب الاستثمارات الاجنبية. الا انه قد تؤدي هذه الحماية في المستقبل القريب الى ارتفاع اسعار بعض المنتجات الفكرية كمبرامج الكمبيوتر علي سبيل المثال وذلك نتيجة لمكافحة القرصنة ولتأمين الحد الادنى من الحماية المطلوبة وفقا لاتفاقية الجوانب المتصلة بالتجارة من حقوق الملكية الفردية TRIPS.‏

3­ تقييد قدرة الدولة على اللجوء الى السياسات التجارية الحمائية:‏

ان توقيع سورية على اتفاقيات المنظمة يعني قبولها بالقيود التي تفرضها هذه الاتفاقيات على سياساتها التجارية بالدرجة الاولى سواء من ناحية وضع سقف للتعريفة الجمركية او من ناحية الالتزام بجدول الخدمات او من ناحية عدم فرض قيود كمية الا في حالات معينة..الخ.‏

4­ اعادة هيكلة الشركات المملوكة من الدولة:‏
سوف يكون من الضروري ان تعيد الحكومة هيكلة وتنظيم الشركات المملوكة من الدولة على ضوء الانضمام الى المنظمة لعل نشاطها اكثر شفافية واكثر اعتمادا على قواعد السوق وتشكل المؤسسات الخاضعة للدولة STATE TRADING ENTERPRISES استثناء لقواعد السوق التي تتبناها منظمة التجارة العالمية. وتعرف المادة 17 من اتفاقية الغات تجارة الدولة على انها التجارة التي تقوم بها المؤسسات التي تملكها الدولة او التي منحتها الدولة امتيازات خاصة او امتيازات حصرية وغالبا مايكون الهدف من وراء مؤسسات الدولة تقديم دعم لاسعار المنتجات الزراعية او تأمين الامن الغذائي او حتى حماية بعض الصناعات المحلية ذات الاهمية الاستراتيجية من المنافسة الاجنبية. ويتم ذلك عبر فرض قيود كمية على السلع الاجنبية المماثلة او تحديد اسعار اعادة بيع الواردات عند مستويات مرتفعة بحيث تفقد السلع الاجنبية ميزتها النسبية في السوق المحلية المعنية. بالرغم من انتشار هذه الظاهرة في الكثير من الدول الا انها تشكل في البلدان الاشتراكية ذات الاقتصاد الموجه خاصة جزءا مهما من تجارة الدولة الخارجية.‏

كما ان انضمام سورية الى المنظمة يحصل في جو من الركود الاقتصادي مما يقود البعض الى المناداة بعدم الخوض في هذه المغامرة في هذه المرحلة بالذات يضاف ان بعض المواضيع التي طرحت في الآونة الاخيرة على بساط البحث في منظمة التجارة العالمية وتحديدا معايير العمل هي مواضيع ساخنة وحساسة فقد ذكرنا ان احد اسباب فشل مؤتمر سياتل هو عدم التوافق حول هذه النقطة بالذات. كما ان الاطار الذي تبحث فيه مثل هذه المواضيع او الطريقة التي تحاول بها بعض الدول الغنية مثل الولايات المتحدة اقحام هذه المواضيع ضمن اطار منظمة التجارة العالمية تتصف بالتحدي والوعيد مما يخلق جوا من العدائية والتصادم بين دول الشمال والجنوب. وينعكس هذا الجو من المواجهة سلبا على الفكرة التي كونها الناس عن منظمة التجارة سواء في سورية او في دول اخرى.‏

واخيرا لابد من التسليم بان عملية انضمام سورية الى منظمة التجارة العالمية قد تكون صعبة. ولاشك ان سجل المنظمة حافل بامثلة عن صعوبات تواجه بعض الدول الساعية للانضمام. وهنا يجب التنبيه الى ناحيتين اساسيتين في عملية الانضمام، الاولى تقنية تتعلق بالالتزام باتفاقيات منظمة التجارة العالمية والثانية تفاوضية تتعلق بالمفاوضات حول دخول الاسواق للسلع والخدمات اي التخفيضات الجمركية وفتح الاسواق في الخدمات.‏

بالنسبة الي الناحية الاولى اي الالتزام بالنواحي التقنية لاتفاقيات منظمة التجارة العالمية فالعملية مجردة وموضوعية الى حد بعيد. صحيح ان بعض الدول المتقدمة تتمادى في مساءلتها عن الانظمة التجارية لدول تسعى للانضمام ونحن نعارض ذلك الا ان الكثير من الصعوبات التي تواجه تلك الدول هي تقنية وفنية اي ان شروط العضوية غير مستوفاة من ناحية المضمون فاتفاقيات منظمة التجارة العالمية تتضمن الكثير من الشروط التقنية التي يجب ان تستوفى وتتطلب الكثير من التعديلات في التشريعات المحلية، وهذا هو الى حد بعيد هدف المذكرة الخاصة بنظام التجارة الخارجية التي تقوم كل دولة بتقديمها الى الدول الاعضاء في اول مراحل عملية التحضير للانضمام وكذلك هدف الجولات العديدة من الاسئلة والاجوبة على هذه المذكرة. فكلما كانت المذكرة مفصلة ودقيقة قلت اسئلة الاعضاء عنها. كما ان جهوزية القوانين المحلية واتساقها مع متطلبات اتفاقيات منظمة التجارة العالمية من شأنه ان يسهل عملية الانضمام بشكل عام.‏

وعليه فان الصعوبات التي ستواجهها سورية من الناحية التقنية وان كانت محددة ومعروفة الا انها كثيرة ومن الضروري التنبيه لذلك وبالامكان منذ الان الاشارة الى معظم المسائل الخلافية في التشريعات السورية التي ستعترض مفاوضات الانضمام ولابد من تعديل هذه التنظيمات بما يتوافق مع المتطلبات التقنية للاتفاقيات وهذا امر لامفر منه.‏

اما الناحية الثانية اي المفاوضات حول التخفيضات الجمركية وفتح الاسواق في الخدمات فهي نسبية وخاضعة الى حد بعيد للمفاوضات والتجاذبات وحتى الضغوتات الثنائية وهذا تماما مالايوجد قواعد واطر محددة حوله وهذا الى حد بعيد المسؤول عن السمعة السيئة التي تحيط بمنظمة التجارة العالمية والانضمام اليها اذ ان العديدمن الدول التي فاوضت للانضام اضطرت الى الموافقة على بعض المطالب لدول متقدمة فيما يتعلق بدخول الاسواق للسلع والخدمات والكثير من الدول التي لم توافق على الشروط الصعبة لاتزال تفاوض منذ فترة طويلة.‏

الاثار الاقتصادية لمنظمة التجارة العالمية ( الغات سابقا)‏ على الجمهورية العربية السورية‏

لاول مرة في تاريخ الغات تشارك الدول النامية ومنها الدول العربية من خلال مفاوضات الجولة الاخيرة للغات ( الجولة الثامنة) بدرجة ملحوظة في ا صلاح التجارة العالمية ...فقد استطاعت الدول النامية ومنها الدول العربية هذه المرة النجاح في تخفيض او تجميد مجموعة اكبر من التعريفات الجمركية ، هذا بالاضافة الى ان مفاوضات الجولة الثامنة توسعت بحيث شملت مجالات ذات اهتمام خاص بالنسبة للدول النامية والتي منها الدول العربية وتتمثل هذه المجالات في البضائع الاستوائية والمنتجات الزراعية والمنسوجات ورغم هذا نعتقد بان مسألة تحرير التجارة العالمية امر يهم بالدرجة الاولى الدول الصناعية وشركاتها المتعددة الجنسيات ونؤكد بان الدول العربية ومنها سورية لن تستفيد كثيرا من تحرير التجارة ، بل بعض الاقطار العربية سوف تتكبد خسائر نتيجة الاتفاق الذي تم في الجولة الثامنة من محادثات الغات ، ولتأكيد ذلك نسوق ثلاثة اسباب على النحو التالي :‏

اولا : يتوقع ان تواجه الدول العربية آثاراً سلبية لبرنامج الاصلاحات الزراعية واهم الاثار المتوقعة هو ارتفاع فاتورة واردات الدول العربية من الغذاء نتيجة للارتفاع المتوقع في الاسعار بسبب انخفاض فوائض الغذاء المدعوم ، والتي كانت تغرق الاسواق وننوه الى ان موقف الدول العربية ربما زاد حرجا وذلك في حالة تزامن الارتفاع في فاتورة الغذاء مع انخفاض اسعار صادرات هذه الدول .‏

ثانيا: من المتوقع ان تتراجع المزايا التفضيلية في التجارة والتي كانت تتمتع بها الدول الاكثر فقرا ، وذلك بموجب اتفاقية لومي والنظام العالمي للتفضيلات حيث ان تحرير التجارة العالمية من شأنه القضاء على تلك المزايا بسبب فتح الباب للدول المتقدمة لتنافس الدول الفقيرة .‏

ثالثا : يتعلق السبب الثالث بما ورد في الاتفاقية من قواعد تنظيم الملكية الفكرية وفي هذا الصدد نشير الى ان هذا امر يهم الدول الصناعية التي حرصت على وضع القواعد المناسبة لها وذلك فيما يختص بحماية حقوق المؤلفين وبراءة الاختراع ومكافحة التزوير .. اما بالنسبة للدول العربية فليس من الواضح بعد مدى استفادتها من هذه القواعد التي وعدت بالالتزام بها رغم ان البعض يرى ان قواعد تنظيم الملكية الفكرية سوف تساعد على تحويل التكنولوجيا للدول العربية وهو زعم لااساس له ومشكوك في صحته ، وتعزز الدراسة التي قام بها البنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مخاوف الذين يرون بان الدول النامية ومنها الدول العربية لن تستفيد كثيرا او تخسر كثيرا من اتفاقية الغات ، فقد توصلت الدراسة الى انه في الوقت الذي سوف يستفيد العالم ككل بمقدار 213 ملياردولارفي عام 2002 نتيجة الغات فان الدول الافريقية جنوب الصحراء سوف تخسر حوالي 6،2 ملياردولار نتيجة الاتفاق نفسه هذا بالاضافة الىان هناك دولا اخرى معرضة للخسارة مثل اندونيسيا وبعض جزر الكاريبي .‏

ولهذا اعتمد البعض على نتائج الدراسة المذكورة في المطالبة بضرورة ان يدعم المستفيدون من الاتفاق الدول النامية المعرضة للخسائر من جرائه .‏

في ضوء ما تقدم من اعتبارات قمت باعداد دراسة تستهدف تقدير اثر الاتفاق على مجموعة الدول المستفيدة من اتفاق لومي والنظام العام للتفضيلات وقد اوضحت في الدراسة ان مجموعة هذه الدول سوف تستفيد من كل قطاع من القطاعات التي اشتمل عليها اتفاق الغات ويرجع السبب الرئيس في ذلك الى ان المزايا التفضيلية التي تتمتع بها الدول العربية الاقل نموا بموجب اتفاق لومي محددة ومحصورة، وليست على درجة من الاتساع الذي يتبادر الى الاذهان بالاضافة الى هذا توصلت في هذه الدراسة الى ان التخفيضات الجمركية من قبل الدول المتقدمة على وارداتها من الدول العربية الاقل نموا لا تختلف عن تخفيضاتها الجمركية عموما، ولهذا يبدو أن الزعم القائل بان الدول النامية التي منها الدول العربية كانت تحت رحمة الدول المتقدمة اثناء مفاوضات الجولة الاخيرة لا أساس له.‏

هذا ولابد أيضا من الاشارة الى ان كل الدول التي اشتركت في المفاوضات غنيها وفقيرها سوف تستفيد من المكاسب المتأتية من القواعد الخاصة بالخدمات، ومراجعة الانظمة والقوانين الدولية الخاصة بالتبادل التجاري حيث ان القواعد الجديدة الخاصة بالنقل البحري والجمارك وزيادة الشفافية في التجارة، والقاعدة الجديدة لحل المنازعات التجارية من شأنها اصلاح نظام التجارة العالمي على نحو ملزم ومحايد ومستقر ويمكن الركون اليه وبالتالي يعود بالفائدة على الجميع وهذا الوضع يختلف تماما عن نظام اتفاقية لومي والنظام العام للتفضيلات اللذين يتسمان بعدم الاستقرار، حيث يمكن الغاؤهما في أي وقت كما ان الاتفاقين المذكورين تشوبهما شوائب اخرى لعل اهمها كثرة الاشتراطات في كل بلد ومجال.‏

بالاضافة لما تقدم يجب الاخذ بعين الاعتبار الاثار غير المباشرة لتحرير التجارة العالمية وهي اثار متعددة وهامة وبليغة الاثر على زيادة ربحية المصانع في الدول المتقدمة والاهم من ذلك تعرضها في الدول النامية الى المزيد من المنافسة نتيجة تخفيض التعريفة الجمركية الذي سوف يؤدي الى حسن استغلال الموارد وبالتالي تحسين الانتاجية ومستوى معيشة الناس.‏

وإزاء مجمل المكاسب التي سوف تعود على الدول العربية وخاصة في الاجل الطويل يتضح بانه ليس هناك سبب للتخوف من ان اتفاق الغات سيضر بمصالح الدول العربية لصالح الدول المتقدمة وهذا بالطبع لا يعني ان بعض الدول العربية لن تخسر نتيجة الاتفاق في المدى القصير فالاقطار الصغيرة التي تتمتع بمزايا عديدة لصادراتها بموجب اتفاق لومي والنظام العام للتفضيلات والتي يستوجب عليها استيراد غذائها هي اكثر الاقطار عرضة للخسائر في المدى القصير، ولكن الخسائر التي قد تتكبدها بعض هذه الدول في المدى القصير ليست بالمقدار الكبير والمبالغ فيه الذي اشارت اليه بعض الدراسات الاولية علما بان كل الاقطار العربية سوف تجني فوائد ومكاسب ملموسة في المدى الطويل من اتفاقية الغات حيث ان المكاسب التي سوف تنتج من تحسين كفاءة استغلال الموارد بسبب ازدياد المنافسة في الاسواق العالمية سوف تطغى علي الخسائر التي قد تتعرض لها بعض الدول في المدى القصير وفي رأينا ان الانضمام الى هذه المنظمة عن طريق تكتل اقتصادي عربي موحد وهو السوق العربية المشتركة اصبح ضرورة حيوية لامجال للتشكيك فيها.

1