لطباعة هذه الرسالة حمل هذا الملف

ولك نشرها بأيّ وسيلة {والدال على الخير كفاعله}

وملف الطباعة لا يضم الفائدة الأخيرة حول قيام رمضان
ولا الفائدة الخاصة بأهمية الركوع والسجود
للدورة الدموية الدماغية

----------------------------------------

رسالة في؛ أهمية الركوع والسجود ووجوب إتمامهما لله

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،،، وبعد؛ فقد عظّم الله أمر الصلاة حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: {إنّ أوّل ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله الصلاة فإن صلحت فقد أفلح وأنجح وإن فسدت فقد خاب وخسر} صحيح الجامع، فهل تنبهت لهذا الأمر الخطير؟... نعم؛؛؛ فالصلاة أهمّ وأعظم من كل شيء في الدنيا، وماذا سنخسر لو خسرنا الدنيا كلّها؟ مائة عام؟ مائتي عام؟ وماذا عن ملايين السنين، بل الخلود الأبدي في الآخرة؟ جعلني الله وإياك من الخالدين في جنات النعيم، ووقانا من نار الجحيم... والركوع والسجود هما أهمّ ما في الصلاة وأكثر ما ضُيع فيها حتى لا تكاد ترى من يتقنهما ويخشع فيهما، لذا كتبت هذه الرسالة حول أهمية الركوع والسجود في الصلاة وصفتهما، فاحرص على قراءتها مرارًا لعلّ الله أن يجعلك سببًا في إصلاح صلاة من تحبّ {والدالّ على الخير كفاعله} صحيح الجامع.

قال الله سبحانه وتعالى لإبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام: {أن طهّرا بيتي للطائفين والعاكفين والركّع السجود} يعني المصلّين، فوصفهم بالركّع السجود لأنّ الركوع والسجود هما جوهر الصلاة، وقال لإبراهيم صلى الله عليه وسلم: {وطهّر بيتي للطائفين والقائمين والركّع السجود} والقائمين؛ يعني المقيمين فيه أو العاكفين كما في الآية السابقة، وقال سبحانه وتعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: {ومن الليل فاسجد له وسبّحه ليلاً طويلا} ووصفه وأصحابه بقوله: {تراهم ركّعًا سجّدًا يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود} نورٌ من ربهم جلّ جلاله، ووصف المؤمنين بقوله: {... الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر...} وقال: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلّكم تفلحون} وحتى عندما ذكر القيام -قيام الصلاة لا قيام الليل- بدأ بالسجود لفضيلته رغم أنّ القيام يسبق السجود في الصلاة فقال في وصف المتقين: {والذين يبيتون لربّهم سجّدًا وقياما} وقال: {أم من هو قانتٌ آناء الليل ساجدًا وقائمًا يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربّه...} والقنوت هو الطاعة والعبادة بسكون وخشوع وخضوع وتذلّل لله عزّ وجلّ، ومن ذلك قوله تعالى {يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين}.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم {إنّ العبد إذا قام يصلّي أُتِي بذنوبه كلّها فوُضعت على رأسه وعاتقيه فكلّما ركع أو سجد تساقطت عنه} صحيح الجامع، فربَط مغفرة الذنوب في الصلاة بالركوع والسجود، فكم أضعنا على أنفسنا من المغفرة يا عباد الله؟ تنبّه يا أخي الكريم وتذكّر دائمًا أنك كلّما ركعت وسجدت أكثر تساقطت عنك ذنوبٌ أكثر.

وسُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أحبّ الأعمال إلى الله فقال: {عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة إلاّ رفعك الله بها درجة وحطّ عنك بها خطيئة} صحيح مسلم، وقدر تلك الدرجة وتلك الخطيئة بقدر تلك السجدة، والعبرة في كثرة السجود بمقداره لا بتكراراته، فسجدتين في نصف ساعة أكثر وأفضل من أربع سجدات في ربع ساعة.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: {أقرب ما يكون العبد من ربّه وهو ساجد فأكثروا الدعاء} صحيح مسلم، ومع علم الناس بهذا لا نكاد نرى أحدًا يحرص على إطالة هذا القرب من ربّه عزّ وجلّ! فهل ضعف إدراكهم لفضيلته وهان في قلوبهم؟ أمْ أنّ الله سبحانه وتعالى كره قربهم فأبعدهم بعد أن ابتعدوا عن هديه وتساهلوا في دِينه ولم يحرصوا على مرضاته وانغمسوا في دنياهم الفانية حتى نسوا وعده ووعيده؟. وقد جعَل الله لنا في كلّ ركعة سجدتين ليطول قرب المحبّين من حبيبهم الكريم الرحمن جلّ جلاله، فكم أضعنا على أنفسنا من الكرامة والقرب من ربّنا ومن {أثر السجود}؟.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {الصلاة ثلاثة أثلاث؛ الطهور ثلُث والركوع ثلُث والسجود ثلُث، فمن أداها بحقّها قُبلت منه وقُبل منه سائر عمله، ومن رُدّت عليه صلاته رُدّ عليه سائر عمله} صحيح الترغيب، {إنّ الرجل ليصلّي ستين سنة وما تُقبل له صلاة، لعلّه يتمّ الركوع ولا يتمّ السجود، ويتمّ السجود ولا يتمّ الركوع} صحيح الترغيب، و{أسوأ الناس سرقةً الذي يسرق من صلاته؛ لا يتمّ ركوعها ولا سجودها} صحيح الترغيب، فالركوع والسجود هما الأهمّ والأقوى أثرًا في القلب والعقل والجسم لمن أتقنهما وقنَت فيهما، وهما أكثر ما ضُيّع في الصلاة، وبضياعهما قلّ ذكر الله فيها وضعف أثره، و{تلك صلاة المنافق... لا يذكر الله فيها إلاّ قليلا} صحيح مسلم، فأين أثر هذه الصلاة في ذلك القلب؟ {إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولَذِكْر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون} { فويلٌ للمصلّين، الذين هم عن صلاتهم ساهون} فيجب أن نهتم بصلاتنا الآن قبل السؤال يوم الحساب.

وقد قال رسولنا صلى الله عليه وسلم: {إنَّ أحدكم إذا قام يصلِّي إنَّما يناجي ربّه فلْينظر كيف يناجيه} صحيح الجامع، فلْنتدبّر هذا يا معشر المصلّين ولْننظر في حالنا! نهذّ الفاتحة هذّاً وننقر الركوع والسجود نقر المتعجّل بتسبيحتين أو ثلاث!! فأيّ مناجاة هذه التي رضيناها مع الملك العظيم جلّ جلاله؟! ألا نستحي من الله عزّ وجلّ ونعرف له فضله ونقدره حقّ قدره؟! ثم كيف يستريح بالصلاة من يفعل ذلك؟! ألا تريد الراحة بالصلاة وقرّة العين فيها ولذّة المناجاة مع ربك الكريم؟ فاحرص على إطالة الركوع والسجود وإتقانهما لله سبحانه وتعالى.

وانظر أيضًا إن شئت الجزء 23 من (مجموع الفتاوى) لشيخ الإسلام ابن تيمية، في (أيهما أفضل كثرة الركوع والسجود أو طول القيام) ففيه كلام واسع زيادة على ما ذكرت في إثبات فضيلة الركوع والسجود على القيام.

وبالعقل أيضًا تثبت فضيلة الركوع والسجود في الصلاة؛ فنحن نقرأ القرآن بخشوع وتدبّر في الصلاة وخارجها، ونكبّر الله ونسبّحه ونحمده ونستغفره وندعوه في الصلاة وخارجها، ونمضي يومنا واقفين أو جالسين في الصلاة وخارجها، فيبقى الركوع والسجود هما جوهر الصلاة، فجاء التعبير عن الصلاة بالركوع والسجود في الآيات السابقة، وكانت مغفرة الذنوب ورفعة الدرجات بقدر الركوع والسجود، والمسبوق يدرك الركعة بإدراك الركوع ولو فاته القيام وقراءة الفاتحة، فإذا لم نحرص على إقامة الركوع والسجود كما أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: {صلّوا كما رأيتموني أصلّي} بإتقانهما والقنوت فيهما لله عزّ وجلّ؛ فما الذي نريده بهذه الصلاة؟ هل نريد مرضاة ربّنا عزّ وجلّ ونطلب قربه وحبّه ووُدّه وفضله ورحمته؟ وهل يعقل أن نطلب ذلك بمخالفة أمر رسوله صلى الله عليه وسلم وسنّته الثابتة؟!.

وقد أمَر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يكون الركوع والسجود قريبًا من القيام، فقال: {أعطِ كلّ سورةٍ حظّها من الركوع والسجود} صحيح الجامع/1054، وكان فعله موافقًا لأمره هذا كما قال أنس: (كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم متقاربة وكانت صلاة أبي بكر متقاربة) صحيح مسلم/473، وقد قال صلى الله عليه وسلم: {صلّوا كما رأيتموني أصلّى} صحيح البخاري/605 {فلْيحذر الذين يُخالِفون عن أمره أنْ تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذابٌ أليم} فلو قمت بسورة الفاتحة مثلاً بخشوع وتدبّر وترسّل كما كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم يمدّ القراءة مدّاً ويقطّعها آية آية فستحتاج في القيام لدقيقة، فاحرص على ألاّ يقلّ الركوع والسجود عن نصف دقيقة لكلّ ركن، والاعتدال بعد الركوع وبين السجدتين ركنان أيضًا فالأفضل أن تجعلهما قريبين من الركوع والسجود، ومن عجز عن إطالة الركوع والسجود قريبًا من القيام فلْيخفّف القيام ليكون قريبًا من الركوع والسجود.

ومن خالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم فلْيحذر الوعيد المذكور في الآية السابقة، ويكفيه الحرمان من الفوائد العقلية والنفسية والجسدية للركوع والسجود والتي أثبتت الدراسات بعضًا منها لمن أداهما كما يجب لا كما اعتاده الناس، ومنها تفريغ القوَى المؤذية المتراكمة في الرأس من مصادر شتّى، وعلاج الاكتئاب والقلق والتوتر، وسلامة الظهر والصدر والركبتين وغيرها من المفاصل والعضلات والأربطة والدورة الدموية الدماغية واحتفاظها بقوّتها وكفاءتها مع تقدّم السنّ، فالصلاة هي من أقوى وأيسر وسائل تأخير مظاهر الشيخوخة ومقاومة أسبابها... غير الأسباب الناتجة عن سوء الطعام بالنوع والكمّ كما بينته في كتاب (طريق العافية).

وأكرّر التأكيد على أنّ ذلك لمن أتَمّ الركوع والسجود كما يجب؛ فلا صلاة لمن لا يقيم صلبه فيهما؛ قال علي بن شيبان: خرجنا حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعناه وصلّينا خلفه، فلمح بمؤخّر عينه رجلاً لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، فلمّا قضى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة قال: {يا معشر المسلمين؛ لا صلاة لمن لا يقيم صلبه في الركوع والسجود} صحّحه الألباني والأرنؤوط، والطمأنينة هنا تامّة لأنه كان يصلّي مع النبي صلى الله عليه وسلم فالمقصود استقامة الظهر كما في قوله: {امدد ظهرك} {لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود} وكذلك قال: {لا ينظر الله عزّ وجلّ إلى صلاة عبدٍ لا يقيم صلبه بين ركوعها وسجودها} وقال: {ثم يكبّر فيستوي قاعدًا على مقعده ويقيم صلبه ... لا تتمّ صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك} صحَّحها الألباني وغيره.

{فإذا ركعت فضَع راحتيك على ركبتيك وامدد ظهرك} واشدده حتى يستوي موازيًا للأرض والركبتان مستويتان، وقد لا يستوي ظهرك الآن ولا حتى بعد شهر ولكن عليك أن تتقي الله وتشدّ ظهرك قدر استطاعتك حتى يستوي ولو بعد عام، وستظهر بعض الآلام في الظهر والركبتين وخلف الفخذين والوركين فلا تقلق منها وثق أنها ستزول ثقة بالله الذي لا يأمرنا إلاّ بما فيه مصلحة لنا، بل وتزول معها بعض العلل المزمنة الظاهرة والباطنة، ولكن لا فائدة بلا صبر ومصابرة ومثابرة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ركع جافى عضديه وسوّى ظهره حتى لو صُبّ عليه الماء لاستقرّ (صحيح ابن ماجه).

وفي السجود كان يجافي فخذيه عن ساقية ويجافي يديه عن جنبيه (حتى يبدو بياض إبطيه) و(حتى لو أنّ بهمة -من صغار الغنم- أرادت أن تمرّ من تحت يديه مرّت) من شدة مجافاته وتفرّجه، فتكون الفخذان والساعدان منتصبتين والظهر مستقيما، ويعتمد بثقله على يديه ويجعلهما حذو منكبيه أو أذنيه، لا أرفع من ذلك ولا أخفض، ولكن لا يجافي المأموم يديه فيؤذي جاره، فإن تعب فلْيضع مرفقيه على ركبتيه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: شكا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إليه مشقّة السجود عليهم إذا تفرّجوا، فقال: {استعينوا بالركب} قال ابن عجلان: وذلك أن يضع مرفقيه على ركبتيه إذا أطال السجود وأعيا. أي؛ تعب، صحّحه الحاكم والذهبي والأرنؤوط، وهذا من دلائل إطالته للسجود، ورغم شكواهم قال النبي عليه الصلاة والسلام: {استعينوا بالركب} ولم يخفّف لهم السجود ولم يأمرهم أن يخفّفوا على أنفسهم إذا انفردوا، فهذا من التشديد والمبالغة المشروعة المحمودة كالمبالغة في التجافي في السجود ومدّ الظهر في الركوع كما هي السنّة، ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة إلاّ إذا خشيت أن تتكشف أمام غير محارمها.

وفي الركوع والسجود كرِّر التسبيح بخشوع وتدبّر مع الإكثار من الدعاء حتى يكون الركوع والسجود قريبًا من القيام، وكرِّر الحمد في الاعتدال بعد الركوع، والاستغفار بين السجدتين، غفر الله لي ولك.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم معتدلة؛ إذا أطال القيام أطال الركوع والسجود وإذا خفّف القيام خفّف الركوع والسجود، هكذا كان يفعل في المكتوبات وقيام الليل وصلاة الكسوف وغير ذلك... فينبغي أنه (يعني المصلّي) إذا طوّل القيام أن يطيل الركوع والسجود، وهذا هو طول القنوت الذي أجاب به النبي صلى الله عليه وسلم لَمّا قيل له؛ أيّ الصلاة أفضل؟ فقال: {طول القنوت} فإنّ القنوت هو إدامة العبادة سواء كان في حال القيام أو الركوع أو السجود كما قال تعالى: {أمّن هو قانتٌ آناء الليل ساجدًا وقائما...} فجعله قانتًا في حال السجود كما هو قانت في حال القيام وقدّم السجود على القيام... (مجموع الفتاوى ج22/ في التفضيل بين العبادات، وج23).

وقال: أحاديث أنس كلّها تدلّ على أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يطيل الركوع والسجود والاعتدالين زيادة على ما فعله أكثر الأئمة، وسائر روايات الصحيح تدلّ على ذلك؛ ففي الصحيحين عن حماد بن زيد عن ثابت عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: إني لا آلو أن أصلّي لكم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي بنا، قال ثابت: فكان أنس يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه؛ كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائمًا حتى يقول القائل قد نسي، وإذا رفع رأسه من السجدة مكث حتى نقول قد نسي، وفي رواية في الصحيح: وإذا رفع رأسه بين السجدتين... فهذا يبين لك أن أنسًا أراد بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إطالة الركوع والسجود والرفع فيهما على ما كان الناس يفعلونه وتقصير القيام عما كان الناس يفعلونه، وروى مسلم في صحيحه من حديث جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع بكاء الصبي مع أمه وهو في الصلاة فيقرأ بالسورة الخفيفة أو بالسورة القصيرة، فبَيّن أنّ التخفيف الذي كان يفعله صلى الله عليه وسلم هو تخفيف القراءة، وإن كان يقتضي ركوعًا وسجودًا يناسب القراءة، ولهذا قال: كانت صلاته متقاربة، أي؛ يقرب بعضها من بعض...

ومثل هذا أنه صلى الله عليه وسلم صلّى صلاة الكسوف فقرأ في الركعة الأولى بنحو من سورة البقرة وركع فكان ركوعه نحوًا من قيامه وكذلك سجوده، ولهذا نقول في أصحّ القولين إنّ ركوع صلاة الكسوف وسجودها يكون قريبًا من قيامه بقدر معظمه أكثر من النصف، ومن أصحابنا وغيرهم من قال: إذا قرأ البقرة يسبّح في الركوع والسجود بقدر قراءة مائة آية، وهو ضعيف مخالف للسنّة. (اقتضاء الصراط المستقيم/ في صفة صلاة الرسول).

وما ذكره الشيخ هو المعنى الظاهر للمقاربة لا فرق في ذلك بين صلاة الكسوف وقيام الليل والمكتوبات، ومن فرّق بينها بلا دليل صحيح أو صرف المعنى عن ظاهره بلا سبب فقوله غير مقبول.

وإذا كان الركوع والسجود هما جوهر الصلاة ولهما هذه الأهمية والفضيلة التي رأيناها فلا شك أنّهما سيكونان أطول من الاعتدالين بعد الركوع وبين السجدتين، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يطيل هذين الاعتدالين كما سبق حتى يُقال: قد نسي، وهذا يدلّ على مدى إطالته للركوع والسجود، ويؤكّد خطأ القول بأنّه كان يسبّح في ركوعه وسجوده ثلاث تسبيحات فقط، ولكن لماذا أطال الاعتدالين وكان يمكنه أن يجعل هذا الوقت في السجود ويكثر فيه من الحمد والاستغفار؟ ألَيس هذا أفضل؟ كلاّ، فلعلّ الحكمة من إطالة الاعتدالين هي الراحة قبل السجودين، فعامّة الناس قد يشقّ عليهم إطالة السجود بعد الركوع أو بعد السجود الأول مباشرة دون راحة مناسبة لطولهما، فأطال النبي صلى الله عليه وسلم الاعتدالين رحمة بنا وعونًا لنا على إطالة السجود، مع ما في هذه الراحة من فائدة، فهذه الصلاة قد أحكم الله أمرها وعظّم شأنها، فمن فرّط في شيءٍ منها فقد فوّت على نفسه من المصالح ما لا يحصيه إلاّ الله عزّ وجلّ، والسعيد من اعتبر.

وأيضًا إذا كان الركوع والسجود هما جوهر الصلاة؛ فلماذا نطيل القيام؟ قال الله تعالى: {إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولَذِكْر الله أكبر} فذكر الله هو المقصود الأعظم من إقامة الصلاة، والقرآن هو أعظم الذكر وله أعظم الأثر على القلب والعقل والنفس بالإيمان والتقوى والمبادئ والأخلاق، وذلك لمن أعطاه حقّه من الترتيل والتغنّي والفهم والتدبّر، فطال القيام لذلك. ولكن أثر القرآن في الصلاة أعظم من أثره خارجها، وذلك لمن أطاع أمر النبي الكريم صلى الله عليه وسلم؛ {أعطِ كلّ سورة حظّها من الركوع والسجود} فجاء هذا الأمر الحكيم بهذا السياق المحكم الدقيق ليجمع أركان التأثير في الصلاة ويربط بينها، وجاء النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود؛ لأنهما حظّ السورة التي قرئت في القيام.

فهذا الأمر والنهي هما لغاية واحدة، ومخالفتهما تُضعِف أثر القرآن في الصلاة، كما يَضعُف أثره على من خالف سنّة نبيه صلى الله عليه وسلم في قراءته، حيث قال: {لم يفقه من قرأ القرآن في أقلّ من ثلاث} أو قال: {لا يفقهه...} صحّحه الألباني والأرنؤوط، وقالت عنه عائشة رضي الله عنها: (كان لا يقرأ القرآن في أقلّ من ثلاث) صحيح الجامع، هذا قول وفعل أفقه الناس وأتقاهم، فكيف نستشهد بفعل من يقرؤه في ليلة؟! ألا تكفينا سنّة نبينا صلى الله عليه وسلم؟! وقد ثبت عنه أنّه قال للصحابة {سأقرأ عليكم ثلُث القرآن} فقرأ {قل هو الله أحد...} وقال: {ألا إنها تعدل ثلث القرآن} صحيح مسلم/812، فلا فرق بين قارئ سورة الإخلاص وقارئ ثلُث القرآن إلاّ بفهمه وتدبّره والتأثّر به ليكون خلُقه القرآن، و{لا يفقهه من يقرؤه في أقل من ثلاث} والأوقات التي تضاعف فيها الحسنات أولى من غيرها بالحرص على السنّة والحسنات المضاعفات، بل ولا فضيلة لحافظ القرآن ما لم ينفعه حفظه في فهم القرآن وتدبّره والتأثّر به، فمقاييس العلم والحفظ والذكاء في الدنيا تنتهي عند سكرات الموت وتبدأ الحقائق التي سيطرت على القلوب والهموم، ثم {يُقال لصاحب القرآن: اقرأ وارقَ ورتّل كما كنت ترتّل في الدنيا، فإنّ منزلك عند آخر آية تقرؤها} صحيح الترغيب، فذلك للذين {يتلونه حقّ تلاوته أولئك يؤمنون به} فدرجتك في الجنة هي بقدر الإيمان والتقوى في قلبك، فذلك هو المقصود الأعظم من الصلاة وتلاوة القرآن؛ تقوى القلوب ونفورها من الباطل والضلال والسفه وزهدها في الدنيا وتعلّقها بالله والدار الآخرة {إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم إنّ الله عليمٌ خبير}.

كتَبها/ محمّد بن أحمد التركي / في رجب 1428
www.geocities.com/mhmdahmdt

mhmdahmd.jeeran.com

---------------------------------

انظر أيضًا إن شئت تتمّة هذه الرسالة
شبهات وردود؛ حول وجوب مقاربة الركوع والسجود للقيام

----------------------------------

وهذه فائدة في قيام رمضان:

فقول النبي صلى الله عليه وسلم: {إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة} قاله بعد أن قام نصف الليل وطُلِب منه الإتمام، فمن فعل ذلك بالمحبة والرغبة في المزيد فنعَم، أما القول بأنه على إطلاقه فلا، إذ يلزم له لوازم غير مقبولة، مثل أن يستوي من قام كذلك ومن قام نصف ساعة يريد الراحة والتفرّغ لدنياه! أو يكون هذا الأخير أفضل ممن قام وحده ساعتين في ثلث الليل الآخر!! وهذا يعارض فهم الصحابة؛ فبعد أن أحيا عمر رضي الله عنه هذه السنّة قال: (نعم البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون) يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله. صحيح البخاري، فلا شك أن صلاة الرجل وحده في بيته في جوف الليل الآخر أفضل، لأنه أقرب للإخلاص والخشوع، قال النبي صلى الله عليه وسلم: {صلاة الرجل تطوّعًا حيث لا يراه الناس تعدل صلاته على أعين الناس خمسًا وعشرين} صحيح الجامع، وقال: {إنَّ أقرب ما يكون الربّ من العبد جوف الليل الآخر} صحيح ابن خزيمة، وقد شرع لنا رسولنا صلى الله عليه وسلم هذه السنّة؛ سنّة الاجتماع في قيام رمضان، وهي من التعاون على البرّ والتقوى، وذلك أنشط للعبادة، ولكن؛ أن نفهم هذا بهوانا ونستغلّه للتفرّغ لدنيانا وسوقنا ومجالسنا ولهونا بعد أن صلّينا خلف ذلك الإمام ساعة، ثم نقول: قد قمنا رمضان إيماناً واحتسابا! سبحان الله! قمناه في مساجدنا أم في مجالسنا وأسواقنا؟! فمن علِم أن قيامه وحده أنشط له وأخشع لقلبه وأخلص لربّه فلْيقم وحده ولا يلتفت لمن زعم أنّ قيامه مع الناس أفضل، فلعلّ ساعة بهذه الصفة تعدل ليلتين وثلاث، فالعبرة بتحقيق مقاصد الشرع، والمقصود الأعظم من الصلاة والذكر والصيام هو {لعلّكم تتقون} تقوى القلوب ونفورها من الباطل والضلال والسفه وزهدها في الدنيا ورغبتها في الآخرة، التقوى التي تحدّد أمنك وسلامتك يوم القيامة ودرجتك في الجنة {إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم}.

1