الطـــريـق إلى الله المنجي في زمن الدجال والمهدي

 

الفهرس

 

تعريفات_ضرورية

 

الباب_الأول_الفرائض_ومفهومها

الركن_الأول_الشهادتين  مفهوم_الرسول_والنبي_والوحي

الركن_الثاني_الصلاة

الركن_الثالث_الزكاة

الركن_الرابع_الصوم

الركن_الخامس_الحج

 

 

 

تعريفات ضرورية:

كثيراً ما نسمع لفظ الطريق إلى الله . فماذا يعني ذلك؟ هل نحن سائرون فعلاً في طريق يوصًل في نهايته إلى الله؟ إذا نظرنا للأمر على أن كل الخلق صالحهم وطالحهم سوف يقفون بين يدي الحق سبحانه وتعالى للحساب يوم القيامة فتلك هي نهاية الطريق. ولكن الطريق إلى الله المقصود هاهنا هو طريق الناجين والصالحين، الذين يسعون لتحقيق مراد الله من خلقه لهم إرضاءً له. لذلك لكي نفهم أكثر لابد أن نعرف الغرض الذي خلقنا الله من أجله .

 

الغرض من الخلق:

    لقد حدد الحق جل و علا الغرض من خلقه لنا في قوله تعالى ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن، الله هو الرزاق ذو القوة المتين ) في هذه الآية قصر الحق تعالى الغرض من خلقه لنا على أن نعبده باستخدامه النفي و الاستثناء (ما و إلا) ونفى أن يكون الغرض من خلقه لنا إيجاد الرزق، لأنه هو الرزاق ذو القوة المتين. قد يتساءل البعض، إن كان الله تعالى قد قصر الغرض من خلقه لنا على العبادة، فما علاقة الآية السابقة بقوله تعالى (إني جاعل في الأرض خليفة)؟

      إذا نظرنا بعمق إلى هذه الآية و الآية الأخرى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) لوجدنا أن الخلافة الحقة لا تأتي إلا بالعبودية الحقة ونتيجة لها. كيف؟ لابد أولاً أن نعرف معنى العبادة التي هي الغرض من الخلق، ثم نعرف بعد ذلك معنى الخلافة، والمقصود منها، وكيفية القيام بها.

 

العبادة والخلافة:

     معنى العبادة الطاعة بحب.

لأنك إن أحببت أحداً كنت له مطيعاً. إن المحب لمن أحب مطيع. ولكن كيف تحب من لا تعرف؟ فالجهالة تنفي وجود المحبة. لذلك قال كثيرون أن معنى العبودية في الآية المعرفة، وعلى رأس الذين قالوا ذلك سيدنا عبد الله بن عباس رضى الله عنهما، حتى أنه كان يقرأ الآية (إلا ليعرفون) وكان يظن أنها هكذا أنزلت. إذاً فمعرفة الله تؤدي بالعبد إلى حبه،وحبه يؤدي إلى طاعته. أي أن معنى هذا أن أكثر الخلق معرفة بالحق أكثرهم له طاعة، وأشدهم له حباً.

ومن أكثر معرفة بالله ممن كان قاب قوسين أو أدنى، من كان خلقه القرآن، من وصفته زوجته السيدة عائشة أم المؤمنين عليها رضوان الله بذلك. لهذا؛ فالنموذج المحمدي يمثل أعلى درجات التحقق بالعبودية. لذلك حين مدحه ربه قال (عبد الله و رسوله) وحين أخبرنا الحق تعالى عن أخطر رحلة في تاريخ بني آدم رحلة الإسراءِ والمعراج ذكر سيدنا محمد بأعلى صفة على الإطلاق فقال (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) قال تعالى بعبده ولم يقل برسوله ولا بنبيه.  فاختار تعالى أشرفَ صفة، ألا وهي صفة العبودية.

   

 أما قوله تعالى (إني جاعل في الأرض خليفة):

 الخليفة هو الذي يقوم بتنفيذ واتباع النظام الذي وضعه المستخلف. لذا فالخلافة  تعني القيام بتنفيذ نظام الله، وإتباع نواميسه التي وضعها بغير إفساد للأرض. فإذا كانت العبادة الغرض من الخلق ، فالخلافة هي الوظيفة المناط تحقيقها بالعبد الذي هو  المخلوق ليكون عبدا مطيعا لخالقه.

 ومن أشد البشر حرصاً على تنفيذ مراد الله ممن هو متحقق بالعبودية والطاعة والحب؟

     لقد قال تعالى (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون) أي أن الفساد يظهر في الأرض نتيجة لابتعاد الناس عن نظامه الذي وضعه ، مثل مشاكل التلوث في الهواء والماء والغذاء، وأيضاً أمراض لم تكن موجودة، أو على الأقل لم تكن منتشرة كالإيدز والفشل الكلوي وغيرها. لِم يا رب ؟ (ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون) إلام يرجعون ؟

 يرجعون إلى النظام الذي وضعه الله لكل شئ. أليسوا الآن يرجعون إلى المقاومة البيولوجية أو الحيوية للحشرات الضارة بعد استخدام المبيدات الكيماوية سنوات طويلة؟  ليس المهم العودة إلى النظام الإلهي فقط ولكن المهم هو العودة إلى عدم الغفلة عن الله لتحقيق الغرض من وجودنا في هذه الدنيا. أي أن تنجح في الامتحان والاختبار، و تكون النتيجة ناجح حين ينتهي وقت الإجابة، حين تخرج الروح من الجسد بالموت الذي نتناساه في حين أنه النهاية الوحيدة و الأكيدة لكل فرد منا. فسبحانه و تعالى يقول (تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شئٍ قدير. الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيُّكم أحسن عملا وهو العزيز الغفو)

 

خلق الإنسان:

لم يأمر الله الملائكة بالسجود إلا لآدم من الخلق لذلك قال (وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون. فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) فالروح الموجودة في الإنسان لا بد وأن تكون مختلفة عن الروح الموجودة في باقي المخلوقات. وهذا يؤيد صحة ما روي عن الإمام علي أن الروح ملك عظيم الشأن تخلق من نفخته أرواح باقي المخلوقات، رغم أن هذا الحديث ليس مرفوعا.

وقوله تعالى (وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون. فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين. فسجد الملائكة كلهم أجمعون)

في هذه الآيات ثلاث نقاط: التسوية، ونفخت فيه من روحي، وسجود الملائكة أجمعون.

 

التسوية:

قد تعني الاستواء ،أي جعله مستوي الطرفين كقوله تعالى (ونفس و ما سواها فألهمها فجورها وتقواها).

وقد تعني الاكتمال والإتمام كقوله تعالى (فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا)

 

نفخت فيه من روحي:

النفخ يعني سريان شيء في شيء آخر فيغير من صفاته أو شكله أو الاثنين معا.

ونفخ الله من روحه في الصلصال من حمأ مسنون جعله بشرا .

ومعنى نفخ الروح الذي يوجب سجود الملائكة هو تجلي أسماء لله وصفات من صفاته في العبد وتخلقه بها ، بما يجوز التخلق به من أسماء وصفات لله .

وقوله تعالى عن سيدنا عيسى ( وروح منه ) تعني أسماء وصفات محددة و ليس كل الصفات الإلهية، لأن روح هنا منكرة ومفردة مما يفيد تعدد أنواع وأعداد الأرواح التي يمكن أن ينفخها الله، حتى في سيدنا آدم قال (نفخت فيه من روحي) ولم يقل ونفخت فيه روحي لأن (من) هنا تفيد التبعيض؛ لأن هذه الروح التي نفخت منحت صفات وأسماء لآدم، وهي ليست جميع صفات الله وأسمائه لأنها لا يحاط بها بأي شكل أو كيفية. ودليل ذلك دعاءه صلى الله عليه وسلم (اللهم أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك) أي أن هناك أسماء لله لا يعلمها أحد.

واختلاف اللفظ بين (ونفخت فيه من روحي) (آدم) وبين (وروح منه وكلمة ألقاها إلى مريم)  (عيسى)، ناتج من اختلاف طريقة تنفيذ النفخة، في أن (نفخت فيه من روحي) عمل قام به الحق تعالى بدون واسطة. أما بالنسبة للمسيح فالذي قام بالتنفيذ هو الملك. لذلك أكد الحق تعالى أنه هو مصدر هذه الروح حتى لا يتوهم أن للملك دور أكثر من عامل التسليم.

 

سجود الملائكة أجمعون:

سبحانه وتعالى جعل التسوية والنفخ من روحه شرط لسجود الملائكة لآدم عليه السلام وبالتبعية لأبنائه من البشر.

وسبحانه وتعالى حين قال (فسجد الملائكة كلهم أجمعون) لم يضع أي استثناء لأي من الملائكة، فحتى الملائكة الكبار كسيدنا جبريل داخلين في هذا الأمر بالسجود.

والسجود يعني الطاعة والخدمة والمساعدة والتأييد لبني آدم الذين وجب السجود لهم.

فسيدنا جبريل كان هو الذي ينزل على الأنبياء بالوحي (قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين).

وهو روح القدس الذي كان مؤيدا لسيدنا عيسى عليه السلام (إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين).

والملائكة تتنزل على الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تبشرهم وتخبرهم بأنهم يتولونهم في الحياة الدنيا و الآخرة؛ قال تعالى (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا  تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون. نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون. نزلا من غفور رحيم).

 

الخلافة والوسطية: (الفكرة التوازنية للعبد في الإسلام):

سبحانه وتعالى وهو الذي سمى نفسه العدل، لا يمكن أن يطلب من عبده أمرا ليس في إمكانه و طاقته ، فهو القائل (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها). فلكي يتمكن الخليفة الذي اختاره من القيام بمهامه فلا بد من أن يعطيه الحق جل وعلا من القوى والصفات التي تمكنه من القيام بمهمة الخلافة.

ولعل ذلك يفسر الحديث (إن لله تعالى آنية من أهل الأرض، وآنية ربكم قلوب عباده الصالحين، وأحبها إليه ألينها وأرقه) للطبراني في الكبير عن أبي عنبة.

فالحق سبحانه وتعالى لا يحل في مكان، فلا يحيط به المكان، فلابد وأن ذلك له معنى آخر. فإذا وضعنا قوله صلى الله عليه وسلم (إن لله لوحا من زبرجد خضراء تحت العرش كتب فيه أنا الله لا إله إلا الله أنا أرحم الراحمين خلقت بضعة عشر و ثلاثمائة خلق، من جاء بواحد منها مع شهادة أن لا إله إلا الله دخل الجنة) وهو للبيهقي في الأوسط، مع الحديث السابق الذكر لفهمنا أن المقصود في الحديث هو تجلي أسماء الله وصفاته التي ليست من أسماء الذات في قلب العبد المؤمن، وانعكاسها من القلب على ظاهره سلوكا. وهذا جائز، بل هو مطلوب من العبد تحقيقه.

 

فإذا أخذنا معنى التسوية على أنه الاكتمال، فالتسوية المذكورة في الآيات (وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون. فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) اكتمال تخلق العبد المقصود بالخلافة بالمسموح لمخلوق التخلق به من أسماء الله وصفاته، (و نفخت فيه من روحي ) أي أفضت عليه من أسمائي وصفاتي.

 

وأكثر البشر تخلقا بما طلبه الله من عباده سيدنا رسول الله صلى الله عليه و سلم، الذي (كان خلقه القرآن) فهو الصورة المثلى للعبودية لله و مدحه سبحانه و تعالى في مواضع كثيرة في القرآن بصفة العبد. وهذا واضح من قوله تعالى (وكذلك جعلناكم أمة و سطا لتكونوا شهداء على الناس و يكون الرسول عليكم شهيدا).

 

في هذه الآية ثلاثة أمور:

الأول: أن أمة المسلمين أمة وسطا.

الثاني: أن يكونوا هم الأمة المثلى التي تقاس عليها الأمم.

الثالث: أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو النموذج الأمثل لأمته الذي تقاس عليه الأمة.

نتيجة لذلك يكون هو صلى الله عليه وسلم النموذج الأمثل الذي يقاس عليه كل بني آدم بما فيهم الأنبياء (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا)

 

ولكن ما هي الوسطية التي تميزت بها أمة الإسلام و نبيها صلى الله عليه و سلم أولا؟

نحن نعرف أن الإنسان مكون من روح ونفس وجسد وقلب وعقل، وسبحانه وتعالى حين خلق الإنسان في أحسن تقويم جعلهم في صورة توازنية مثلى، كل له دور وواجب و حق.

والمطلوب منا في الرحلة الأرضية (رحلة العودة إلى أحسن تقويم) هو إعطاء كل مكون من هذه المكونات حقه ودوره في حدود نسبته المثلى ولا يتجاوز دوره ويجور على دور غيره مثلا، أو العكس، أي يضعف دور أحدها حتى لا يمكنه القيام بما هو منوط به و هذا ما سوف نستوضحه معا في رحلة الطريق إلى الله.

    

 الآن وبعد أن حاولنا أن نتعرف ولو على جزء من الغرض من الخلق وهو معرفة اللهِ وحبهِ وطاعتهِ، نحاول أن نتلمس الطريق الذي يؤدي بنا إلى تحقيق ذلك.

 

مراحل الطريق:

      لخص رب العزة في الحديث القدسي الذي أخرجه الإمام البخاري الطريق إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عن رب العزة (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب. وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه. ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإن أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، و يده الني يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه) إذا نظرنا إلى هذا الحديث لوجدنا أن الحق تعالى بدأ الحديث بمنتهى الطريق لبني آدم، ما خلا النبيين و المرسلين ، و هو الوصول إلى مرتبة الولاية التي يتولى الله فيها عباده. عباده الذين قال في حقهم (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم و لا هم يحزنون) ثم ذكر بداية الطريق حين قال (وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلى مما افترضته عليه) أي أن بداية الطريق لا تكون إلا بأداء الفرائض التي افترضها الله على عباده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء غير نسيان فلا تبحثوا عنها) للحاكم و السيوطي في الزوائد. ثم بعد ذلك يبدأ العبد في التقرب إلى الله بأداء النوافل حتى يحبه الله، فإن أحبه الله صار في حال الولي الذي لا يفعل شيئا إلا بالله ولله. لذلك يعلن الحق جل وعلا الحرب على من يعادي هذا الولي.

     إذاً علينا لكي نفهم الطريق من أوله أن نعرف ما هي الفرائض ثم نتعرف على النوافل بعد ذلك.

 

الفهرس

 

 

 

 

الباب الأول: الفرائض

أول خطوات الطريق

 

     قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه، أي أخرجه البخاري ومسلم (بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وحجِّ البيت، وصوم رمضان) قوله صلى الله عليه و سلم (بني الإسلام على خمس) يعني أنّ هذه الخمس لا يقبل الإسلام بدونها، بمعنى مثلما تبني بيتا تضع الأساس، وهو أن تؤمن وتعتقد أن دين الإسلام دين حقيقي وصحيح، وهذه هي الشهادتين، ثم تقيم الأعمدة التي يقوم عليها المبنى، وهي الصلاة والزكاة والصوم والحج. ولعلك تسأل وما الدليل على أنه لا يقبل الإسلام بدونها؟ فنقول: أولاً: قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته، أي أخرجه البخاري ومسلم كما قلنا، وهي من أعلى مستويات الصحة في الحديث، (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم و أموالهم إلا بحق الإسلام و حسابهم على الله تعالى) وكان صلى الله عليه و سلم لا يشن الغارة على قوم حتى يتأكد من عدم سماع آذان الفجر، وكان يوصي سراياه بذلك.

 

من حقك أيضا أن تتساءل، في هذا الحديث ذكر صلى الله عليه و سلم ثلاثا من الخمس فقط وهم الشهادتين والصلاة والزكاة، فأين الصوم والحج؟ فنقول أن تلك الأركان الثلاثة يكون الحكم عليها من الظاهر ومن أظهرها فهو مسلم حتى وإن كان نفاقا لذلك ختم صلى الله عليه وسلم الحديث بقوله (وحسابهم على الله تعالى) فأما الصوم ففي الحديث القدسي لمسلم و أحمد و النسائي (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) أي أن الصوم علاقة خاصة بين العبد و ربه. فيمكن للعبد أن يظهر الصوم ويفطر في الخفاء لذلك؛ فحسابه على الله تعالى.

وأما الحج، فقد قال صلى الله عليه وسلم في حديث آخر سوف نذكره بعد قليل (و تحج البيت إن استطعت إليه سبيلا) فتقدير الاستطاعة بين العبد وربه أيضا.

 

ثانيا: قال العلماء بالسير: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر رضي الله عنه بعده، وكفر من كفر من العرب، عزم أبو بكر على قتالهم، وكان منهم من منع الزكاة ولم يكفر، وتأول في ذلك، فقال له عمر رضي الله عنه، كيف تقاتل الناس وقد قالوا لا إله إلا الله، وقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله . إلى آخر الحديث)، فقال الصديق: إن الزكاة حق المال وقال: والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم لقاتلتهم على منعه، فتابعه عمر على قتال القوم.

 

مقامات الطريق :

   ما سبق كان الأساس والأعمدة، فأين باقي مبنى الدين؟ أين الأسقف والحوائط والأبواب والشبابيك والدهانات؟

إنه موجود بالتأكيد، ولكن أين؟

أخرج الإمام مسلم عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه و سلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه و آله و سلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه و قال:

يا محمد أخبرني عن الإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا.) قال: صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره و شره.) قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.)

قال: فأخبرني عن الساعة، قال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل) قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: (أن تلد الأمةُ ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان.) ثم انطلق فلبثت مليا ثم قال: (يا عمر أتدري من السائل؟) قلت: الله ورسوله أعلم. قال: (فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ).

 

هذا الحديث قد اشتمل على جميع الأعمال الظاهرة والباطنة؛ وعلوم الشريعة كلها راجعة إليه، ومتشعبة منه، لما تضمنه من جمعه علم السنة. فهو كالأم بالنسبة للسنة، كما سميت الفاتحة أم القرآن لما تضمنته من جمعها لمعاني القرآن. وفيه دليل على تحسين الثياب والهيئة والنظافة عند الدخول على العلماء والفضلاء، فإن جبريل عليه السلام أتى معلما للناس بحاله ومقاله.

 

الفهرس

 

 

 

الركــن الأول

الشهادتين

   نبدأ الحديث عن الفرائض الأساسية، أو أركان الإسلام الخمس، التي وردت في حديثه صلى الله عليه وسلم (بني الإسلام على خمس)، فنبدأ بما بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الشهادتين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله.

  

 حين نقول أشهد، ماذا تعني كلمة أشهد؟ الشهادة تعني العلم بيقين، فقد قال صلى الله عليه وسلم (على مثل الشمس فاشهد أو دع) رواه الحاكم والبيهقي عن ابن عباس مرفوعا بلفظ (إذا علمت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع) ورواه الديلمي عنه بلفظ (يا ابن عباس لا تشهد إلا على أمر يضيء لك كضياء الشمس) ورواه الطبراني والديلمي أيضا عن ابن عمر، وقال النجم بعد أن عزاه بلفظ الترجمة للسخاوي لا يعرف بهذا اللفظ، وأقول بل لا يظهر المراد منه فتأمل،

وزاد النجم: حديث على مثلها فاشهد أو فدع قال أورد الرافعي بلفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الشهادة، فقال للسائل( ترى الشمس؟) قال نعم، قال (مثلها فاشهد أو فدع) قال ابن الملقن وهو غريب بهذا اللفظ، انتهى.

 أي علمت بأمر علما  كعلمك بوجود الشمس وظهورها ووضوحها فاشهد بهذا الأمر.

وسبحانه وتعالى قال (عالم الغيب والشهادة) فالغيب  بنوعيه، الغيب المطلق والغيب النسبي بقسميه، الغيب الزماني والغيب المكاني، هو كل مالا تعلمه، أما الشهادة فهي كل ما تشاهده وتعلمه .

 

ولكن بالنسبة لله فشهادتنا بوجوده ليست نابعة من رؤيته، حاشا لله، ولكن مما نرى من آثار تجلي أسمائه وصفاته وأفعاله من خلق وإبداع وتدبير وإمداد لكل الموجودات بأسباب وجودها.

فشهادتنا بوجود الله ليست إثباتا لوجوده، ولكنها إقرار منا واعتراف بوجوده، فشهادته سبحانه وتعالى لنفسه هي أعظم شهادة على الإطلاق (شهد الله أنه لا إله إلا هو). فكما قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي: كيف يظهره شئ وهو الذي أظهر كل شئ، وكيف يحيط به شئ وهو الذي أحاط بكل شئ.

 

نأتي بعد ذلك لمعنى إله، فالإله هو الذي يؤله، أي يعبد ، فيقصد إليه بالطاعة و الحب.

  

 والإله معنى مختلف عن الرب. فالرب هو الذي يتولى بالرعاية والعناية والتربية والإرشاد والحماية. فحين تقول فلان رب الإبل أو الغنم، فأنت تعني من يتولاها بالإطعام والحراسة و السياسة و غير ذلك . و كذلك حين تقول رب الأسرة فأنت تعني من يقوم بالرعاية و العناية والتربية والإرشاد والحماية والتأديب. لذلك في فاتحة الكتاب نقرأ قوله تعالى (الحمد لله رب العالمين). فسبحانه وتعالى رب العالمين، العالمين جمع عوالم على صورة المبالغة دلالة على عظم عدد العوالم التي خلقها الله. لذلك يوجهنا الحق جل وعلا إلى أن أداء حق الربوبية بالحمد ، ولعلمه بعجز خلقه عن القيام بالحمد حق الحمد، حمد نفسه بنفسه، لأنه لا يعلم حقيقة الله إلا الله. فحمد نفسه بالصفة التي تستوجب الحمد وهي الربوبية.  فالربوبية تعني قيام الأعلى، أي الرب، بشؤون المربوبين،أي الخلق. أي أن الربوبية تولي الأعلى للأدنى بالرعاية، والألوهية قصد الأدنى للأعلى بالطاعة والحب والعبادة.

 

لذلك قال أهل التوحيد، أن توحيد الربوبية واجب كتوحيد الألوهية. بمعنى؛ أن توحد الإله الذي تقصده بالطاعة والحب والعبادة، وتوحد أيضا الرب الذي تطلب منه أن يعطيك. فلا تظن أن أحدا غير الله يمكنه أن ينفعك أو يضرك أو يعطيك ما لم يكتب الله ذلك لك أو عليك. وإنما الله يجري مقاديره من خلال خلقه وليس الخلق هم الذين يجرون المقادير. كأن تكون لك مصلحة عند فلان وقضاها لك، تكون قد أخطأت في حق الربوبية إذا ظننت أن فلانا هذا هو الذي قضى لك المصلحة، وإنما الله هو الذي أجرى قضاء المصلحة على يديه. روى الإمام الترمذي عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما انه قال (كنت خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوما فقال : يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. رفعت الأقلام و جفت الصحف).

  

 ثم من هو الله؟ كلمة الله كما أخبرنا السادة العلماء أنها اسم علم على الذات الإلهية، فمثلما تقول على فلان أحمد أو عمر وأنت تقصد ذلك الشخص بذاته، فالاسم يدلك على هذا الشخص ذاته. كذلك حين تقول الله فأنت تعني الذات الإلهية. فالله سبحانه وتعالى في ذاته واحد لا شريك له، فرد لا مثيل له، صمد لا ضد له، منفرد لا ند له، وأنه واحد قديم لا أول له، أزلي لا بداية له، مستمر الوجود لا آخر له، أبدي لا نهاية له، قيوم لا انقطاع له، دائم لا انصرام له، لم يزل ولا يزال موصوفا بنعوت الجلال، لا يقضى عليه بالانقضاء والانفصال بتصرم الآباد وانقراض الآجال، بل هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شئ عليم .(الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى ) . ليس كمثله شئ و هو السميع البصير.

تفصيل ذلك موجود في كتب العقيدة لمن شاء أن يعرف أكثر.

فنحن هنا نمس المواضيع مساً خفيفاً للتنويه والتذكرة فإن الذكرى تنفع المؤمنين.

 

    أنت حين تقول لا إله إلا الله، فإنك تنفي وجود إله آخر عندك تقصده بالطاعة و الحب إلا الله. أي كأنك تقول: لا إله إلا الله، لا معبود إلا الله، لا موجود إلا الله، لا مقصود إلا الله، لا محبوب إلا الله، لا مطاع إلا الله.

فانظر لنفسك، هل أنت فعلا من أهل لا إله إلا الله؟ أم أنت ممن اتبع هواه و كان أمره فرطا؟ هل أنت عبدا لله حقا أم أنت عبدا للمال أو الأرض أو الغنم أو الشهوات أو المناصب أو العمل أو غير ذلك؟

حاسب نفسك قبل أن تحاسب، ألم يقل رسول الله صلى الله عليه و سلم (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا،  وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ). لا تترك نفسك تضحك عليك و تخدعك، فإذا خدعت كل الخلق فهل يمكنك خداع عالم الغيب والشهادة؟ انظر لنفسك أيهما تختار؟ تمسك على نفسك و تطيع الله، أم تترك نفسك لهواها و تطيعها؟ لو كنت تعمل جزارا أو خضارا، اتزن للناس بالورق ويا حبذا لو كان مبللا وتكون من الذين يخسرون الميزان؟ ولو كنت سمسارا للأراضي أتبيع الأرض مرتين و ثلاثة أو تبيع أرضا خصصتها الدولة شارع؟ ولو كنت موظفا في الحكومة تقبض في آخر كل شهر مرتبا أنت قبلته، مقابل عمل يجب أن تؤديه، فلا تؤدي عملك الواجب عليك حتى تأخذ المعلوم؟

 هذه كانت نبذة سريعة عن أشهد أن لا إله إلا الله ، وأود أن نتعرف على نوافلها قبل الانتقال إلى النصف الثاني من الشهادة.

 

نوافل لا إله إلا الله:

    التسبيح والحمد والتهليل والتكبير  من أكثر ما هو مشهور بين الناس من نوافل لا إله إلا الله.

أمر سبحانه وتعالى عباده بالذكر في آيات كثيرة (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله، ألا بذكر الله تطمئن القلوب) وقال تعالى عن ذكره في كل الأوضاع و الأوقات (إن في خلق السماوات والأرض لآيات لأولي الألباب ، الذين يذكرون الله قياما و قعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات و الأرض ، ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار) وقال (فإذا قضيتم الصلاة فأذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم، فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة) وقال (واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين) آيات القرآن في هذا الأمر عديدة، وأكثر من أن تذكر في موقفنا هذا.

 

    أخرج الإمام مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال (أفضل الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا اله والله أكبر). وأيضا ذكر أصحاب السنن أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني لا أستطيع أن آخذ شيئا من القرآن فعلمني ما يجزئني في صلاتي، قال: (قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ) أي أن هذه الكلمات الأربع قمن مكان القراءة في الصلاة.

 

وأيضا أخرج الإمام مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه (أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله قالوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم. قال: أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون: إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة. قالوا يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر ).

  

  ومما لا يتذكره كثير من الناس في ذكرهم أسماء الله الحسنى (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها)

و قال تعالى: (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمنَ أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى) (الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى).

 

والحسنى مؤنث الأحسن، أي لله تعالى أحسن الأسماء وأجلها وأعظمها وأشرفها، لاشتمالها على معاني التقديس والتعظيم والتمجيد وهي أحسن المعاني وأشرفها، وعلى صفات  الجلال والكمال لله رب العالمين.

وقد سمى الله تعالى نفسه بها وأمر أن يدعى بها ويسمى، ونهى أن يدعى ويسمى بغيرها مما لم يرد في الشرع إطلاقه عليه تعالى لما يوهمه من المعاني التي لا تليق بجلاله وعظمته، فلا يقال يا أبيض الوجه، يا شجاع، يا عارف، يا سخي ونحو ذلك، وسماه إلحادا في أسمائه وميلا وانحرافا عن الحق فيها.

 

 قال الإمام النسفي في تفسيره: من أسمائه تعالى ما يستحقه بحقائقه كالحي قبل كل شئ والباقي بعد كل شئ والقادر على كل شئ والعليم بكل شئ والواحد الذي ليس كمثله شئ. ومنها ما تستحسنه الأنفس لآثارها كالغفور والشكور والرحيم والحليم. ومنها ما يوجب التخلق به كالعفو. ومنها ما يوجب مراقبة الأحوال كالسميع والبصير. ومنها ما يوجب الإجلال كالعظيم والمتكبر.

 

وقال الإمام الألوسي في تفسيره: من أسمائه تعالى ما لا يجوز إطلاقه على غيره سبحانه كالله والرحمن، ومنها ما يباح كالرحيم والكريم، ومنها ما يباح ذكره وحده كأكثرها وما لا يباح ذكره وحده كالمميت و الضار، فلا يقال يا مميت أو يا ضار، بل يقال يا محي يا مميت، يا نافع يا ضار، تأدبا في حقه تعالى و تفاديا من إيهام ما لا يليق بجلاله تعالى .

وروى الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: (إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة).

 

    وتذكر الأسماء بثلاثة طرق، الأولى بال؛ الله الرحمن الرحيم، والثانية بدون ال؛ الله رحمن رحيم، والثالثة بياء المناداة؛ يا الله يا رحمن يا رحيم. والأفضل الجمع بين الطرق الثلاثة، فتقرأ الأسماء من أول الله إلى الصبور مرة بكل طريقة. اللهم اجعلنا من أهل ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

 

أشهد أن محمدا رسول الله:

     والآن ننتقل إلى النصف الثاني من الشهادتين وهو أشهد أن محمدا رسول الله، صلى الله عليه وسلم. فنقول و بالله التوفيق:

في النصف الأول من الشهادتين أوضحنا معنى أشهد بأنه أعلم بيقين عن أمر معين. لذلك لا داعي للتكرار.

 

ننتقل لمعنى محمد ومن هو صلى الله عليه وسلم.

محمد معناه الذي يحمد كثيرا على ذاته وصفاته وأفعاله. وهي صيغة مبالغة. 

وهو أيضا أحمد كما قال تعالى على لسان سيدنا عيسى عليه الصلاة و السلام (ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ) فهو أحمد لأنه أحمد خلق الله لله.

وهو أيضا محمود حين يقف الخلق انتظارا للحساب فيشفع لهم حين يقول كل الأنبياء: نفسي نفسي، فيكون محمودا منهم.

 

أما نسبه صلى الله عليه وسلم، فهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشي العربي.

 

قال رسول الله صلى الله عليه و سلم (إن الله قسم الخلق قسمين، فجعلني من خيرهم قسما؛ فذلك قوله: أصحاب اليمين، وأصحاب الشمال ثم جعل القسمين أثلاثا؛ فجعلني في خيرها ثلثا، وذلك قوله تعالى: وأصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، والسابقون السابقون، فأنا من السابقين، وأنا خير السابقين، ثم جعل الأثلاث قبائل؛ فجعلني من خيرها قبيلة، وذلك قوله تعالى: وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم. فأنا أتقى ولد آدم، وأكرمهم على الله ولا فخر. ثم جعل القبائل بيوتا، فجعلني من خيرها بيتا فذلك قوله تعالى (إنما يريد الله لذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا). هذا الحديث أخرجه البيهقي في دلائل النبوة.

 

وأخرج الترمذي في سننه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم) لذلك فهو المصطفى بن المصطفين.

 

وأيضا أخرج الإمام الترمذي (أنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر). هذا بعض القليل الذي يمكن قوله عن محمد صلى الله عليه وسلم.

 

ننتقل بعد ذلك لمفهوم رسول الله.

فمن هو رسول الله؟ ومن هو نبي الله؟ وما هو الوحي؟

 

إن الحق جل وعلا كان في سابق مشيئته أن يرسل لبنى آدم بعد هبوطهم إلى الأرض رسالات الهدى وبيانات الحق (قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم منى هدى) وذلك الهدى تعددت طرقه، وأشهرها ومحل حديثنا الآن ذاك الهدى الذي جاء على لسان النبيين والمرسلين.

فكلمة النبوة مأخوذة من معنى النبأ أي الخبر. فالنبي هو الذي يأتيه الخبر وحيا بأمر من الله. فالنبوة أمر بين العبد وبين الله.

 

من جاءه الوحي من رب العالمين عن طريق الوحي بالأنباء والأحكام فهو نبي. أما كلمة الرسالة فتشير إلى تكليف الله أحد عباده بإبلاغ الناس أمرا تشريعيا أو حكما أو خبرا.

فالرسالة صفة بين العباد أي الأنبياء و الرسل وبين الناس. والنبوة صفة بين النبي وبين الله.

 

فالنبي أو الرسول إذا نظرت إليه من حيث علاقته بالله تقول هو نبي، وإذا نظرت إليه من حيث علاقته بالناس تقول هو رسول. لذا فالنبوة أشرف من الرسالة لأنها تتعلق بعلاقة النبي بالله جل وعلا. فالنبي هو من يأتيه النبأ وحيا عن طريق الملك من الله سبحانه وتعالى بالأحكام والتشريعات، وإما أن يكلف بإبلاغها إلي الناس فيكون نبيا ورسولا، وإما أن يكتفي له بالعلم بها فيكون نبيا فقط.

 

الوحي:

والوحي طبقات، فكلمة الوحي في ديننا الحنيف عديدة الاستعمال. قصد الله تعالى أن يذكرها في القرآن بمعان عديدة. فبين أن من معاني الوحي أن يبث الله عز وعلا نظاما ما في حياة النبات أو الجماد أو في حياة أي شئ على الإطلاق. فيكون ذلك الذي نسميه النظام الغريزي أو النظام العام. 

كأن جعل الله تعالى الشمس تدور في مدار وتدور حولها الأرض وسائر كواكب المجموعة الشمسية. فهذا نظام هو في تعبير الحق جل وعلا في القرآن وحي. بمعنى أنه فطر الأرض و سائر كواكب المجموعة الشمسية وتلك السماوات على نظام محدد كما في قوله تعالى (وأوحى في كل سماء أمرها).

 

ثم بين أن هذا الوحي قد يكون متعلقا بحياة كائن أي بنظامه الغريزي. فتجد الكلاب كلابا على مر الزمان في أخلاقها و عاداتها و أفعالها، والقطط قططا والأفيال أفيالا لا يغيرون نظام الحياة عندهم أبدا لأن الله تعالى وضع لهم نظاما يسيرون عليه يسميه العلم الحديث الغريزة لا يخرجون من نطاقها . وهذا أيضا نوع من الوحي بنص القرآن كما في قوله تعالى (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون).

أولا: حدد لها أين تسكن وأنها لا تسكن مجرد إقامة مبيت وإنما تبني بيتا محكما، أي نظام البيات.

( فاسلكي سبل ربك ذللا ) تبدأ تأخذ نظاما في اختيار ما تأكل و تأخذ سبلا معينه في الحصول على الطعام ويتفاعل ذلك داخلها من حيث لا تقصد هي ولا تملك أن تغير (يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس) فهذا وحي تنظيمي في حياة هذا النحل وكل حيوان وكل نبات وكل شيء (وإن من شيء إلا يسبح بحمده) أي كل شيء حي .. إذ لو لم يكن كل شيء حيا فكيف يسبح بحمده؟ حجرا كان أم ترابا أم ماءا أم ما تشاء أم ذرة تسبح بدوران الإلكترونات حول النواة.

 

وهناك مستوى ثالث من الوحي يذكره الله تعالى في كتابه المبين وهو الإلهام الذي يلقي به إلى عباده.

التوجيه الذي يشرح الله به صدور العباد فيخرجهم من الظلمات إلى النور .. التوجيه الذي يسيرهم إلى فعل ويجعلهم ينفرون من فعل آخر .. وأنت حين تستخير الله في أمر من الأمور فتصلي صلاة الاستخارة أو تنظر في كتاب الله مستدلا على مراده أو بصورة من صور الاستخارة الأخرى المعلومة عند أهل الدين تكون في حال تلقي لهذا التوجيه. فبصلاة الاستخارة تقول إذا كان هذا الأمر خيرا لي فيسره لي ويسرني له، و إذا كان شرا فاصرفني عنه واصرفه عني. أي يوجهك إلى فعل ما من حيث لا تدري. هذا المعنى موجود في قوله تعالى عن هداية الناس (وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي و برسولي).

أوحى إلى الحواريين ليس وحي النبوة وإنما هو وحي الإلهام والتوجيه. ومنه وحي الرؤى أيضا.

كل هذه الأنواع ليست الوحي النبوي الخاص بالأنبياء.    

 

الوحي الخاص بالأنبياء:

 هو إرسال الملك برسالة إلى النبي بخبر يقين معلوم، مشافهة من ملك إلى نبي (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء) وهي حالة تنزل الملك جبريل عليه السلام الموكل بهذا الأمر على النبي يبلغه مرادات الله  عز و جل. فهذا معنى الوحي بالنسبة للنبوة.

 

وقضية الوحي أهم كثيرا مما تظنون. وهي في أيامنا هذه من أهم ما يكون على الإطلاق، لأن أعداء الحق كلهم يتكاتفون على مهاجمة قضية الوحي، ومن خلالها قضية السنة و السيرة، وهذا فساد ينبغي على المسلم أن ينتبه إليه.

لأنه إذا خرج الوحي من عقيدة المؤمن فلا إيمان ولا دين. لأنه إن لم يكن ما جاء به محمد صلى الله عليه و سلم وحيا من الله، فلا يتوجب عليك الالتزام به ولا تنفيذه مهما قيل أن محمدا صلى الله عليه و سلم أعظم رجال العالم على الإطلاق ما دام ما أتى به اجتهادا منه وليس وحيا من الله. ففكر الإنسان يصيب و يخطئ.

كل هذا لزعزعة إيماننا بالسنة والسيرة، وبأنه (ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي) وبأن تميزه الذي ذكره الله تعالى  (إنما أنا بشر مثلكم يوحي إلي)   وبأن أقواله و أفعاله جزء من تعاليم الله لنا و تشريعه لنا (ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا) فإذا اهتزت قضية الوحي ضاع الأمر كله.

 

إذا، النبي هو الذي يأتيه الخبر بوحي بملك من السماء. خبر وأنباء بحكم أو تشريع. إذا أمر بإبلاغه إلى الناس فهو مرسل أيضا، وإذا لم يؤمر فهو نبي فقط.

 

لكن ما هي شروط النبوة الأربعة المتفق عليها عند علماء الإسلام 14 قرن ؟

أولا الذكورة: النبي لا يكون إلا ذكرا لسببين: الأول: ما أخبرنا به الله و رسوله من أن كل الأنبياء رجال، ولم نر نبيا في تاريخ العالم أنثى. الثاني: أنه لو كان النبي أنثى لفقد الكمال الواجب. لأن الأنثى تعيبها بعض الأمور التي تطرأ عليها في حياتها فتفقدها أمورا معينة. فلا يقبل العقل أن يكون النبي بهذه الصفة.

 

أما قوله تعالى (وأوحينا إلى أم موسى) ليس وحي نبوة بل هو مثل قوله (وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي و برسولي) وحي الهام إلى الصالحين و الصديقين. والسيدة مريم صديقة وليست نبية.

 

والملائكة تتنزل على الصالحين بالبشارة لكن لا تتنزل بتشريع و لا بحكم. يقول تعالى (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون).

أي فرد يستقيم مع الله استقامة صحيحة تتنزل عليه الملائكة وتقول له ذلك. فهل نحن أنبياء؟

لا. لأنها لم تتنزل بتشريع ولا حكم و لا خبر من السماء لتبلغه لأحد.

 

الشرط الثاني: الأمانة. أي الصدق. حفظ الله ظواهرهم وبواطنهم من الإثم. لابد أن يكونوا أهل صدق وإلا يصبح الأمر عبثا .. لا نبوة.

 

الشرط الثالث: العقل والضبط والعدالة. أما العقل، لا يجوز لنبي أن يكون ناقص العقل لا يفهم وتجوز عليه الأخطاء العقلية والأفكار الخاطئة وسوء الاستنباطات. أما الضبط، بمعني أنه حين يبلغه الخبر من الله يفهمه كما ينبغي ويضبط معناه ويدرك حقيقته، وإلا جاز أن يبلغنا كلاما غير صحيح. وأما العدالة فتعني أنه ليست عنده دوافع شخصية في أنه حين ينقل لنا الخبر من الله لا ينقص منه ولا يزيد فيه.

 

الشرط الرابع: عدم الوقوع في المعاصي و الذنوب. بإجماع أهل العلم في الإسلام كله لا يقعون في الكفر لا من قبل النبوة ولا من بعدها، ولا يقعون في الكبائر لا من قبل النبوة ولا من بعدها، ولا يقعون في الصغائر لا من قبل النبوة ولا من بعدها. وإذا اجتهدوا فأفتوا بشيء فلا يمكن أبدا أن يكون خطأ حتى لو عدّل الله هذا الإفتاء، وإنما هو من قبيل التعليم والترتيب والتأهيل.

 

أريد أن أوضح هذه النقطة؛

كلكم تعرفون أن أحكام الخمر في القرآن جاءت على ثلاث مستويات و مراحل.

أول مرة (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما) كأنه يرشد تدريجيا إلى الابتعاد عنها، لكن لم يحكم حكما نهائيا.

 

المرحة الثانية بعد حوالي سنة و شهرين نزل قوله تعالى (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) فأدى ذلك إلى تضييق فرصة شرب الخمر.

 

ثم في المرحلة الثالثة نزل التحريم. هل قال أحد أن الله أخطأ في أول مرة تكلم فيها أو في المرة الثانية؟ لا لكنه تدرج. ما الفارق لو كان النبي هو الذي قال عن الخمر والميسر فيهما إثم ومنافع والإثم أكبر؟

 

لو كان الرسول هو الذي قال ذلك ثم نزلت آية التحريم هل نقول أن الرسول أخطأ أم أن الله استخدمه في النطق بجزء من التدرج في الحكم؟ وما لغرض من تدرج الحكم؟

حين يرينا الله المراحل الثلاثة للحكم يعلّمنا أننا حين نفكر في أي موضوع أن ننظر في المنافع والمضار، فإذا وجدت المضار أكثر، أحكم بأن الابتعاد عن هذا الشيء أفضل. أي يعلّمني كيف أفكر، وكيف أحكم. لذلك حين يقولون أن النبي حكم في أسرى بدر حكما ونزلت الآيات تلومه نقول لهم لا، بل هذا جزء من التشريع ليفهمنا مسببات الحكم مثل تشريع الخمر، لكن بدلا من نزول الآيات قال الحكم سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم. لكنه لم يخطئ، بل هذا جزء من التشريع والنهج الرباني في التعليم والتربية لأنه (ما ينطق عن الهوى).

 

الرسول الخليفة الأمثل:

يقول تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم ).

 

قال الشيخ رضي الله عنه وأرضاه: الميزة التي جعلت أمة محمد صلى الله عليه و سلم خير أمة أخرجت للناس أنها أمة وسطا، لا شرقية ولا غربية. لذلك فمعنى (لتكونوا شهداء على الناس) أنكم الصورة المثلى لما يجب أن تكون عليه الأمم. وأنتم الصورة المثلى التي يجب أن تكونوا عليها هو الرسول صلى الله عليه و سلم (ويكون الرسول عليكم شهيدا).

والأنبياء هم الصور المثلى لأممهم، ومحمد صلى الله عليه وسلم هو الصورة المثلى للأنبياء أجمعين. يقول تعالى (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا).

لهذا فرسول الله صلى الله عليه وسلم الصورة المثلى لما يجب أن يكون عليه البشر كلهم. فهو المحقق المتحقق بأعلى رتب العبودية، المؤدي للخلافة بحقها.

 

الفهرس

 

 

 

 

الركــن الثاني

الصـــــــــلاة

  

 كلمة الصلاة من الصلة، أي أن الصلاة صلة بين العبد و ربه. وإقامة الصلاة تعني إقامة صلة بين العبد و ربه. وإنما جعلت الصلاة لذكر الله ؛ فقال المولى جل وعلا لسيدنا موسى عليه السلام    (وأقم الصلاة لذكري). والصلاة فرضت على رسول الله صلى الله عليه و سلم أو ل ما بعث مرتين كل يوم، كل مرة ركعتين فقط. والصلاة بالصورة الحالية كما تعرفون إنما فرضت في رحلة الإسراء والمعراج فوق سبع سماوات.

  

 الصلاة مفتاح الجنة، والطهور مفتاح الصلاة، فلا صلاة بدون طهارة قال صلى الله عليه وسلم (مفتاح الصلاة الطهور). لذلك ؛ فلكي نتحدث عن الصلاة فلابد أولا من الحديث عن الطهارة. ونحن في حديثنا لن نتحدث عن القواعد الفقهية، ولكن سوف نحاول دائما أن نتحدث عن روح العبادات. فشرح القواعد الفقهية له أهله المختصون.

 

الطهارة :

    قال تعالى (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين) و قال رسول الله صلى الله عليه (الطهور شطر الإيمان) أحمد في مسنده وصحيح مسلم والترمذي عن أبي مالك الأشعري وقال السيوطي: صحيح. و قاال أيضا (الصبر نصف الإيمان و اليقين الإيمان كله) أبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود و رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح. فإذا كان الإيمان نصفه صبر والنصف الآخر الطهور فلا يعقل أن يقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطهور كما قال الإمام الغزالي تنظيف ظاهرك أي جسدك بإفاضة الماء عليه و ترك باطنك؛ نفسك وقلبك، خربا، مملوءا بالخبائث والأقذار، كالغيرة والغل والحسد والكبر وغير ذلك .

 

يقول سادتنا من علماء الفقه، أن الفارق بين الماء الطهور والماء الطاهر هو أن الماء الطهور هو الماء الطاهر في نفسه المطهر لغيره، أما الماء الطاهر فهو الماء الطاهر في نفسه ولكنه غير مطهر لغيره.

 

إذا فاستخدام سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم للفظ الطهور لابد أن يعني من ضمن ما يعني أن الطهور الذي هو مفتاح الصلاة وأيضا نصف الإيمان هو طهارة الباطن أيضا. فلكي تكون مطهرا لغيرك لابد أن تكون أنت نفسك طاهرا من الظاهر ومن الباطن، ففاقد الشيء لا يعطيه.

 

والإمام الغزالي قسم الطهور إلى أربعة مستويات أو مراتب: الأول تطهير الظاهر عن الأحداث وعن الأخباث و الفضلات؛ الغسل من الجنابة و الوضوء و أداء سنن الفطرة من تقليم للأظافر وحف الشارب وتهذيب اللحية والاستحداد . الثاني تطهير الجوارح من الآثام والجرائم. الثالث تطهير القلب من الأخلاق المذمومة والرذائل الممقوتة. الرابع تطهير السر عما سوى الله تعالى ، وهذه هي طهارة الأنبياء والصديقين.

     كل مستوى من هذه المستويات التطهير فيه يعني إزالة أشياء سيئة، ولكن هل يظل خاويا؟ كلا ولكن كل مستوى يجب أن يملأ بأفعال وصفات أخرى بدلا منها طيبة.

ولأهمية الطهور كما تدركها السيدة نفيسة رضي الله عنها، حين مدحت الإمام الشافعي بعد وفاته قالت: رحم الله الشافعي، كان يحسن أن يتوضأ. فلم تذكر شيئا آخر غير الوضوء، لأن من يحسن أن يتطهر للصلاة، الذي هو الأساس، سوف يبني باقي عباداته على أساس سليم. فاحرص على أن تكون كالشافعي تحسن التطهر.

 

عن الصـــــلاة:

سمع القاضي أبي يوسف، وهو أعظم تلاميذ الإمام أبي حنيفة، أن شابا يتحدث في المسجد عن الزهد، فقال لتلاميذه: هلموا بنا نذهب إليه فنسأله، فإن أجابنا جلسنا إليه نستمع.

فلما دخل المسجد سأله: يا شاب أخبرني عن الصلاة. سأله عن الصلاة وليس عن أمر من الأمور الصغيرة أو الدقيقة الغير هامة لاستعراض العضلات. فرد حاتم الأصم و قال: أتسألني عن آدابها أم عن كيفيتها؟

فتعجب القاضي وقال في نفسه: عجبا، سألناه سؤالا فجعله اثنين. ثم قال لحاتم: أخبرني عن آدابها.

فقال حاتم: آدابها: أن تقوم بالأمر، وتمشي بالاحتساب، وتدخل بالنية، وتكبر بالتعظيم، وتقرأ بالترتيل، وتركع بالخشوع، وتسجد بالخضوع، وتتشهد بالإخلاص، وتسلم بالرحمة.

فقال القاضي أبو يوسف: فأخبرني عن كيفيتها. قال حاتم: تجعل الكعبة بين حاجبيك، والميزان نصب عينيك، والصراط تحت قدميك، والجنة عن يمينك والنار عن شمالك، وملك الموت خلفك يطلبك، ولا تدري بعد ذلك أقبلت صلاتك أم ردت عليك.

فسأله القاضي: منذ كم تصلي هذه الصلاة؟

فرد حاتم: منذ عشرين سنة.

 فالتفت القاضي أبو يوسف لأصحابه وقال: هلموا بنا نقضي صلاة خمسين سنة مضت.

   

حين قال حاتم: آدابها:

أن تقوم بالأمر، أي تسمع الآذان فتعتبره الأمر الإلهي لك بأن موعد المقابلة قد حان.

وتمشي بالاحتساب، أي تحتسب عند الله ثواب الخطى التي تخطوها حتى تصل إلى المسجد.

 

وتدخل بالنية، أي تستحضر نيتك وتجعلها خالصة لله. أنا ذاهب إلى بيتك يا رب امتثالا لأمرك وإرضاءا لك وحدك، وليس من أجل أن يقول الناس: فلان هذا رجل صالح، أو الحاج فلان لا يترك فرضا أو ما شابه ذلك.

 

وتكبر بالتعظيم، أي حين تقول الله أكبر لا يكون عندك أحد أو شيء اكبر من الله ولا أعظم من الله، فلا يكون جسمك يقوم بأداء حركات الصلاة وقلبك مشغول بالعمل والأرض و البيت والنساء والمال و الأولاد. لأنه في هذه الحالة كل هذه الأشياء تكون عندك أهم من الله وأعظم من الله الذي أنت واقف بين يديه تناجيه وتدعوه و تطلب منه.

 

وتقرأ بالترتيل، فلا تقرأ القرآن كما تقرأ أي كتاب، و لكن تقرأه بالدقة المفروضة، وبقواعد القراءة المعروفة وأنت متأكد من أنك حين تقرأ القرآن فإن الله تعالى يخاطبك به.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا أحب أحدكم أن يحدث ربه فليقرأ القرآن) الخطيب في التاريخ والديلمي في مسند الفردوس عن أنس.

وقال (زينوا القرآن بأصواتكم) أحمد في مسنده وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك عن البراء، أبو نصر السجزي في الإبانة عن أبي هريرة والدارقطني في الأفراد الطبراني في الكبير عن ابن عباس وأبو نعيم في الحلية عن عائشة. قال: السيوطي: صحيح.

و قال أيضا( ليس منا من لم يتغنى بالقرآن) صحيح البخاري عن أبي هريرة وأحمد في مسنده وأبو داود وابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك عن سعد أبو داود عن أبي لبابة بن عبد المنذر الحاكم في المستدرك عن ابن عباس وعن عائشة. و قال السيوطي: صحيح.

 

وتركع بالخشوع، فحين تقرأ كلام الله مرتلا تمتلئ رهبا وطمعا فتشعر بالرغبة في الانحناء راكعا خاشعا لله.

 

وتسجد بالخضوع، السجود يعني الطاعة، والطاعة تعني الخضوع لكل ما أتى أو يأتي ممن تطيع. فكلما كنت خاضعا لله كنت قريبا منه؛ لذلك قال المصطفى عليه الصلاة والسلام  في الحديث الذي أخرجه مسلم (إن أقرب ما يكو ن العبد إلى الله و هو ساجد فأكثرا فيه الدعاء) صحيح مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة وقال السيوطي: صحيح.

 

وتتشهد بالإخلاص، أن تكون مخلصا في قولك: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. فتكون أفعالك وأقوالك واعتقادك مطابقا لما تشهد به وإلا كانت و العياذ بالله كالشهادة الزور.

 

وتسلم بالرحمة، أي تسلم على من حولك من المسلمين والملائكة داعيا لهم بالرحمة من الله.

 

 أما قول حاتم:

تجعل الكعبة بين حاجبيك، أي كأنك واقف تصلى أمام بيت الله الحرام تنظر إليه.

 

والميزان نصب عينيك، كأنك تنظر إلى الميزان الذي توزن به الأعمال يوم القيامة فترى هل ترجح صلاتك هذه الميزان لصالحك وتقبل منك، أم ترد عليك وترجح كفة السيئات؟

 

والصراط تحت قدميك، كأنك تسير على الصراط، فهل تثبت قدمك بالطاعة والإخلاص على الصراط؟ أم تزل والعياذ بالله بالتفريط والتطفيف في إقامة الصلاة؟

 

والجنة عن يمينك والنار عن شمالك، فأنت واقف بينهما لا تدري أتكون من أصحاب اليمين أم من أصحاب الشمال أعاذنا الله وإياكم؟

 

وملك الموت خلفك يطلبك، فأنت لا تدري لعلها تكون آخر صلاة لك في الدنيا. فقد يدركَّ ملك الموت بانتهاء أجلك قبل أن تصلي صلاة تالية. فأحسن هذه الصلاة.

 

 ولا تدري بعد ذلك أقبلت صلاتك أم ردت عليك.

 

فسأله القاضي: منذ كم تصلي هذه الصلاة؟

فرد حاتم: منذ عشرين سنة.

 فالتفت القاضي أبو يوسف لأصحابه وقال: هلموا بنا نقضي صلاة خمسين سنة مضت.

أي أنه حين سمع من حاتم الأصم كيفية الصلاة وآدابها أحس أن الصلوات التي صلاها في الخمسين سنة السابقة كأنه لم يصلها؛ فوجب عليه قضاؤها كأنها فاتته. هل تظنوا بعد سماع هذا أننا نصلي حقا أم نخدع أنفسنا، لأننا لن نخدع الله أبدا. اللهم اجعلنا من مقيمي الصلاة المقبولة منك برحمتك يا رب.

 

بينما كان الشافعي وتلميذه أحمد بن حنبل يسيران معا رأيا شيبان الراعي وهو أحد أهل الزهد ممن يسمون بالصوفية. فقال ابن حنبل للشافعي: هلم نختبر هذا الذي يدعي الزهد. فقال له الشافعي: دعه و شأنه. فأصر ابن حنبل على اختباره وقال له:أيها الراعي، كم لله في أربعين شاة؟ فقال شيبان: أعندنا أم عندكم؟ فقال أحمد: أدينان هما؟ أشرعان هما؟

 فقال شيبان بثبات: أعندنا أم عندكم؟ فقال أحمد: عندنا. فرد شيبان وقال: في كل أربعين شاة، شاة واحدة.

فسأل أحمد: وعندكم؟ فرد شيبان: كلها لله، فهو الذي يملك وهي لنا عارية. فتعجب بن حنبل من فهمه إلا أنه سأل ثانية  وقال: ما تقول فيمن نسي أصلى ثلاثة ركعات أم أربع؟ فسأله شيبان: أعندنا أم عندكم؟ فقال أحمد: عندنا. فرد شيبان: يبني على الأقل ويسجد سجدتين للسهو قبل أن يسلم. فقال أحمد: وعندكم؟ فقال شيبان: عندنا، هذا قلب غافل عن مولاه يستحق أن يؤدب. فأغشي على ابن حنبل حتى فاتته صلوات وأنصرف شيبان. فلما أفاق بن حنبل قال له الشافعي: ألم أقل لك دعه و شأنه. 

  

 يقول تعالى (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا). ووقت كل صلاة يبدأ بالآذان. فهو الأمر الإلهي لنا بالذهاب لمقابلته سبحانه و تعالى. أخرج البخاري أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: (لا يسمع نداء المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة). وقال صلى الله عليه وسلم(خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن ولم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة). وأخرج مسلم أنه قال صلى الله عليه وسلم (مثل الصلوات الخمس كمثل نهر عذب غمر بباب أحدكم يقتحم فيه كل يوم خمس مرات فما ترون ذلك يبقي من درنه؟ قالوا: لا شيء. قال صلى الله عليه و سلم: فإن الصلوات الخمس تذهب الذنوب كما يذهب الماء الدرن) وأخرج أيضا (إن الصلوات كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر).

  

 هذا كان في فضيلة الصلاة المكتوبة أو صلاة الفرض حسبما نقول الآن. فماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فضل صلاة الجماعة؟ أخرج البخاري ومسلم (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) وأخرج الترمذي (من صلى أربعين يوما الصلوات في جماعة لا تفوته فيها تكبيرة الإحرام، كتب الله له براءتين، براءة من النفاق ، وبراءة من النار).

  

 قال تعالى (ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون) كم من مصل لم يشرب خمرا وهو لا يعلم ما يقول في صلاته؟ وكما ورد في الخبر (ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها) فالصلاة مناجاة فكيف تكون مع الغفلة؟

   

قال تعالى ( كلا لا تطعه واسجد واقترب) وقال أيضا (سيماهم في وجوههم من أثر السجود) قيل هو نور الخشوع؛ فإنه يشرق من باطنهم على ظاهرهم. وأخرج مسلم أن ربيعة بن كعب الأسلمي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مرافقتك في الجنة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أعني على نفسك بكثرة السجود).

  

 قال تعالى (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر) وقال صلى الله عليه و سلم (من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة) وهو متفق عليه. وأخرجا أيضا (الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي يصلي فيه تقول: اللهم صلي عليه، اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، ما لم يحدث أو خرج من المسجد).  وأخرج الترمذي وابن ماجة و الحاكم  أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: (إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان). وقال الإمام على كرم الله وجهه: إذا مات العبد، يبكي عليه مصلاه في الأرض، ومصعد عمله في السماء ثم قرأ قوله تعالى (فما بكت عليهم السماء و الأرض وما كانوا منظرين) وقال ابن عباس رضي الله عنهما: تبكي عليه الأرض أربعين صباحا.

  

 قال تعالى (ياس أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من ترك الجمعة ثلاثا من غير عذر، طبع الله على قلبه. وفي رواية أخرى فقد نبذ الإسلام وراء ظهره) أخرجه أحمد وأصحاب السنن. 

 

نوافل الصلاة:

صلاة من جنسها. وهناك سنن راتبة وهناك التطوع.

فالسنن الراتبة هي ما نقوم به من صلوات خلاف الفريضة كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. منها ما يتكرر بمرور الأيام كرواتب الصلوات الخمس، ومنها ما يتكرر بمرور الأعوام كصلاة العيدين، ومنها ما يأتي بمناسبة كصلاة الاستسقاء وصلاة الخسوف. ومنها ما يتكرر مرة أو مرات في العمر كصلاة التسابيح.

أما التطوع فهو ما تصليه في أي وقت تشاء ما لم يكن وقت كراهة.

وصلوات النفل هامة للغاية. فالفروض رأس المال، والنوافل الأرباح. فإذا اكتمل رأس المال حق لك جني الأرباح. أما إذا لم يكتمل رأس المال فالنوافل تجبر نقصه وتكمله.

 

الفهرس

 

 

 

 

 

الركــن الثالث

الزكاة

 

المولى جل وعلا، الذي بيده خزائن السماوات والأرض، مالك الملك والملكوت، تفرد بوصف الغنى فهو الغني المغني، ثم خص بعض عباده بالحسنى فأفاض عليهم من نعمه وايسر منهم من شاء وأغناه، وقدر رزق البعض الآخر. وكلاهما من  في الرخاء ومن في الشدة في اختبار. فيقول تعالى (وأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن ، وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن) فكلاهما مبتلى وكلاهما مختبر من الله ليرى كيف نعمل.

 

ثم جعل الزكاة ركنا أساسيا من أركان الدين وأردف بذكرها الصلاة فقال تعالى (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) و شدد الوعيد على المقصرين فيها فقال (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) ومعنى الإنفاق في سبيل الله كما قال العلماء إخراج حق الزكاة. ومدح سبحانه وتعالى آخرين في قوله (والذين في أمولهم حق معلوم للسائل والمحروم).

 

أخرج البخاري ومسلم عن أبي ذر قال: انتهيت إلى  رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في ظل الكعبة، فلما رآني قال (هم الأخسرون ورب الكعبة ، فقلت: ومن هم يا رسول الله؟ قال: الأكثرون أموالا إلا من قال هكذا وهكذا من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله وقليل ما هم، ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه تنطحه بقرونها وتطأه بأظلافها كلما نفدت أخرها عادت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس).

 

إن كنت من مريدي طريق الله الراغبين فيه فأعلم أن أهل الله يرون أمورا بصورة أدق و أعمق. اسمع هذه الواقعة وتأمل وافهم.

 بينما كان الشافعي وتلميذه أحمد بن حنبل يسيران معا رأيا شيبان الراعي وهو أحد أهل الزهد ممن يسمون بالصوفية. فقال ابن حنبل للشافعي: هلم نختبر هذا الذي يدعي الزهد. فقال له الشافعي: دعه و شأنه. فأصر ابن حنبل على اختباره و قال له:أيها الراعي، كم لله في أربعين شاة؟ يقصد زكاتها، فقال شيبان: أعندنا أم عندكم؟ فقال أحمد: أدينان هما؟ أشرعان هما؟

 فقال شيبان بثبات: أعندنا أم عندكم؟ فقال أحمد: عندنا. فرد شيبان وقال: في كل أربعين شاة، شاة واحدة.

فسأل أحمد: وعندكم؟ فرد شيبان: كلها لله، فهو الذي يملك وهي لنا عارية. فتعجب بن حنبل من فهمه إلا أنه سأل ثانية   وقال: ما تقول فيمن نسي أصلى ثلاثة ركعات أم أربع؟ فسأله شيبان: أعندنا أم عندكم؟ فقال أحمد: عندنا. فرد شيبان: يبني على الأقل ويسجد سجدتين للسهو قبل أن يسلم. فقال أحمد: وعندكم؟ فقال شيبان: عندنا، هذا قلب غافل عن مولاه يستحق أن يؤدب. فأغشي على بن حنبل حتى فاتته صلوات وأنصرف شيبان. فلما أفاق ابن حنبل قال له الشافعي: ألم أقل لك دعه و شأنه. 

أسمعت رد شيبان؟ أهل الله يرو ن أنهم لا يملكون، ولكنها عارية من الله استخلفنا فيها لينظر كيف نعمل.

لذلك يا مريد طريق الله علينا أن نعلم بعض آداب أداء الزكاة.

آداب الزكاة:

 

النقطة الأولى: فهم وجوب الزكاة ومعناها ووجه الامتحان فيها، ولم جعلت من مباني الإسلام مع أنها تصرف مالي وليست من عبادة الأبدان؟ وهي فيها ثلاث معان:

 

المعنى الأول: أن التلفظ بكلمتي الشهادة التزام بالتوحيد وشهادة بإفراد المحبوب المعبود. وشرط تمام الوفاء بالشهادة أن لا يبقى للموحد محبوب سوى الواحد الفرد، فإن المحبة لا تقبل الشركة ، والتوحيد بالسان فقط قليل الجدوى. فإن ما يمتحن به درجة المحب مفارقته لمحبوبه، والأموال محبوبة عند الخلائق لأنها آلة تمتعهم بالدنيا، وبسبها يأنسون بهذا العالم و ينفرون من الموت مع أن فيه لقاء المحبوب. لذلك امتحن صدق دعواهم في حقيقة من يحبون فنزلوا عن المال الذي هو معشوقهم ومطلبهم. وهؤلاء وصفهم الحق جل وعلا بقوله (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) وهؤلاء فهموا هذا المعنى إلا أنهم انقسموا ثلاثة أقسام:

القسم الأول: صدقوا بالتوحيد ووفوا بالعهد ونزلوا عن جميع أموالهم فلم يدخروا شيئا وأبوا أن يتعرضوا لوجوب الزكاة. لهذا في الحديث الذي أخرجه الترمذي وأبو داود و الحاكم في غزوة العسرة، تصدق الصديق بجميع ماله وعمر بشطر ماله فقال صلى الله عليه وسلم لعمر (ما أبقيت لأهلك؟) قال : مثله.  وقال لأبي بكر: ما أبقيت لأهلك؟ قال: الله ورسوله.  فالصديق وفى بتمام الصدق فلم يمسك سوى المحبوب عنده وهو الله و رسوله.

القسم الثاني: درجتهم دون درجة هذا، وهم الممسكون أموالهم المراقبون لمواقيت الحاجات ومواسم الخيرات. فيكون قصدهم في الادخار الإنفاق قدر الحاجة دون التنعم وصرف الفاضل عن الحاجة إلى وجوه البر مهما ظهر وجوهها. وهؤلاء لا يقتصرون على مقدار الزكاة وديدنهم في ذلك قوله تعالى (وآتي المال على حبه) وقوله (ومما رزقناهم ينفقون) وقوله (وأنفقوا مما رزقناكم).

ولكن يحتمل أن يقال: ليس على الموسر  تسليم ما يزيل به حاجة المحتاج إلا قرضا. إلا أن فعل هذا يؤدي إلى النزول بك إلى المستوى الثالث وهو مستوى العوام لأنه في هذه الحالة لم يخرج فعلا كصدقة إلا الزكاة و الباقي كقرض واجب الرد من المحتاج.

القسم الثالث: الذين يقتصرون على أداء الواجب فلا يزيدون عليه ولا ينقصون عنه، وهو اقل الرتب. وقد اقتصر عليه جميع العوام لبخلهم بالمال و ميلهم إليه وضعف حبهم لله وللآخرة، قال تعالى (إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا) يحفكم أي يستقص عليكم.

 

المعنى الثاني: التطهر من صفة البخل فإنه من المهلكات. قال تعالى (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون).

وقال صلى الله عليه وسلم (ثلاث مهلكات، شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه) البزار والطبراني وأبو نعيم عن أنس بسند ضعيف، ورواه الطبراني في الأوسط عن ابن عمر بلفظ (ثلاث مهلكات، وثلاث منجيات، وثلاث كفارات، وثلاث درجات، فأما المهلكات فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه، وأما المنجيات فالعدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وخشية الله في السر والعلانية، وأما الكفارات فانتظار الصلاة بعد الصلاة، وإسباغ الوضوء في السبْرات، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وأما الدرجات فإطعام الطعام، وإفشاء السلام والصلاة بالليل والناس نيام).

 وإنما تزول صفة البخل بأن تتعود بذل المال، فحب الشيء لا ينقطع إلا بقهر النفس على مفارقته حتى يصير ذلك اعتيادا. فالزكاة بهذا المعنى طهرة، أي تطهر صاحبها عن خبث البخل المهلك، وإنما طهارته بقدر بذله، وبقدر فرحه بإخراجه واستبشاره بصرفه إلى الله تعالى.

 

المعنى الثالث: شكر النعمة، فإن لله تعالى على عبده نعمة في نفسه وفي ماله. فالعبادات البدنية شكر لنعمة البدن، والمالية شكر لنعمة المال. فأنت تنظر إلى الفقير وقد أحوج إلى المال وترى نفسك وقد أنعم الله عليك بعدم الاحتياج.

 

النقطة الثانية: تتعلق بوقت الأداء. من آداب ذوي الدين التعجيل عن وقت الوجوب إظهارا للإمتثال بإيصال السرور إلى قلوب الفقراء ومبادرة لعوائق الزمان أن تعوقه عن الخيرات. والتأخير مع ما فيه من عصيان فيه استجابة للمة الشيطان وتثاقل عن لمة الملك حين تردان على القلب . قال صلى الله عليه و سلم (في القلب لَمّتان؛ لمّة من الملك: إيعاد بالخير وتصديق بالحق فمن وجد ذلك فليعلم إنه من الله سبحانه وليحمد الله، ولمة من العدو:إيعاد بالشر وتكذيب بالحق ونهي عن الخير فمن وجد ذلك فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم.) ثم تلا قوله تعالى (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء) أخرجه الترمذي وحسنه والنسائي في الكبرى من حديث ابن مسعود. فالأفضل أن يسرع ويحدد موعدا لزكاة ماله ليكون ذلك سببا لماء قربته. وإن استطاع أن يجعل زكاته في أشهر مباركة أفضل من غيرها فيفعل كشهر رمضان والأشهر الحرم، بشرط ألا يؤدي ذلك لتفويت موعد الزكاة فيأثم.

 

النقطة الثالث: الإسرار. فإن ذلك أبعد عن الرياء و السمعة. أخرج أحمد و ابن حبان و الحاكم و أبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (افضل الصدقة جهد المقل إلى فقير في سر) وأيضا في الحديث المتفق عليه قال (سبعة يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله) منهم رجل تصدق بصدقة فلم تعلم شماله بما أعطت يمين. فالصدقة إزالة للبخل و تضعيف لحب المال، وحب الجاه أشد استيلاء على النفس من حب المال وكل واحد منهما مهلك في الآخرة.

 

النقطة الرابعة: أن يظهر زكاته وصدقته حيث يعلم أن في إظهاره ترغيب للناس في الاقتداء ويحرس قلبه وسره من الرياء. قال تعالى (إن تبدوا الصدقات فنعما هي).

 

النقطة الخامسة: أن لا يفسد صدقته بالمن والأذى. قال تعالى (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) والمن أن يشعر المعطي أنه يتفضل على الفقير فيتكبر عليه. والأذى أن ينتهره أو يوبخه على مسألته. وعلاج ذلك أن يضع العبد في نفسه أن الفقير أحسن إليه حين قبل منه صدقته التي هي طهرته من النار، والله أحسن إليه أصلا أن رزقه من نعمه ما أتاح له التصدق به، ثم قبل منه صدقته هذه.

النقطة السادسة: أن يستصغر العطية. فإنه إن استعظمها أعجب بها، فالعجب من المهلكات وهو محبط للأعمال، قال تعالى (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا). ويقال إن الطاعة كلما استصغرت عظمت عند الله، والمعصية كلما استعظمت صغرت عند الله. وقيل لا يتم المعروف إلا بثلاثة أمور ؛ تصغيره وتعجيله و ستره.

 

النقطة السابعة: أن ينتقي من ماله أجوده وأحبه إليه وأطيبه من حلال فإن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم. وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كثيرا ما يتصدق بالسكر فسؤل عن ذلك فقال: إن الله تعالى يقول (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) وأنا أحب السكر وأريد أن أنال البر.

وأيضا قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض، ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه حتى تغمضوا فيه) أي لا تأخذوه إلا مع كراهة وحياء وهو معنى الإغماض، أفلا تؤثرون ربكم؟ وأخرج النسائي وابن حبان (سبق درهم مائة ألف دينار) وذلك بأن الدرهم الذي يخرجه الإنسان من أحل ماله وأجوده ونفسه فرحة راضية يسبق مائة ألف أخرجت مما يكره من ماله وعلى مضض.

 

النقطة الثامنة: أن يطلب لصدقته من تزكو به الصدقة ولا يكتفي بأن يكون من عموم الأصناف الثمانية التي وردت في آية الصدقات. فهناك أناس فيهم صفات خاصة وهم ستة أصناف .

الصنف الأول: الأتقياء المعرضين عن الدنيا. أخرج أبو داود و الترمذي (لا تصحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي).

 الصنف الثاني: أن يكون من أهل العلم فيعينه على علمه. فلا يوجد بعد مقام النبوة مقام أفضل من مقام العلماء.

الصنف الثالث: أن يكون صادقا في تقواه وعلمه بالتوحيد فيكون صادقا في شكره لله.

الصنف الرابع: أن يكون مستترا مخفيا حاجته لا يكثر البث والشكوى، أو يكون من أهل المروءة ممن ذهبت نعمته وبقيت عادته، فهو يتعيش في جلباب التجمل. يقول تعالى (يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا).

الصنف الخامس: أن يكون عائلا أو محبوسا بمرض أو سبب من الأسباب. فيوجد فيه معنى قوله عز و جل (للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض) أي حبسوا في طريق الآخرة بعلة أو ضيق معيشة أو إصلاح قلب. لأنهم مقصوصوا الجناح مقيدوا الأطراف. 

الصنف السادس: أن يكون من الأقارب وذوي الأرحام، فتكون صدقة وصلة رحم.

 

 

الفهرس

 

 

الركــن الرابع

الصـــــــوم

 

الصوم: يقول ابن جرير: الصيام مصدر من قول القائل: صمت عن كذا وكذا يعني كففت عنه. وأصوم عنه صوما وصياما. وأيضا صامت الخيل أي كفت عن السير.

ولذلك يكون معنى الصوم عنده ، الكف عما أمر الله بالكف عنه.

 

لكن إذا أردنا وضع تعريف للصوم الشرعي يمكن أن نقول: الصوم فعل عبادة سلبي بالامتناع عن أفعال تعودت عليها النفس وتجد فيها متعة امتثالا للأمر الإلهي.

 

والصوم فرضه الله على هذه الأمة كما فرضه على الأمم السابقة فيقول تعالى (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) وحدد له ميقاتا ثابتا فيقول تعالى (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون).

 

والصوم أيضا كان يأخذ صورا غير صورته في الإسلام فيقول تعالى (فكلي و اشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا) فالصوم هنا امتناع عن الكلام.

 

ولقد تناول العديد من الكتاب حكمة الصيام في آراء متعددة يمكن أن نوجزها فيما يلي:

1-    كسر عادة الإنسان في الطعام والشراب ليتخلص من عبودية العادة.

2-    الفوائد الطبية للصيام، وأن الله يصلح أجسادنا بالصيام.

3-    الصوم فرض ليشعر الغني بألم الجوع الذي يعاني منه الفقير، فيتعلم الغني السخاء فيكون متبعا لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

4-    الصوم فرض تربية للإرادة، وتقوية للعزيمة، وتدريب على الصبر وليس كما يفعل البعض الآن من تحجج بالصيام لعدم الصبر. قال صلى الله عليه وسلم (الصوم نصف الصبر) أخرجه الترمذي وحسنه من حديث رجل من بني سليم وابن ماجة من حديث أبي هريرة. و قال أيضا (الصبر نصف الإيمان واليقين الإيمان كله)  أبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود ورواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح. وتبعا لذلك؛ يكون الصوم ربع الإيمان.

5-    فرض الله الصوم تهذيبا للنفس وتصفية للروح.

6-    قال آخرون: أن حكمة الصوم سر لا يعلمه إلا الشارع سبحانه وتعالى ولا يمكن الوصول إليها، ولكن يجب الامتثال للأمر بصرف النظر عن معرفة حكمة الشارع فيه.

7-    يرى فضيلة الدكتور عبد الحليم محمود رضي الله عنه أن حكمة الصوم تكمن في آية الصوم    (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) فهو يرى أن حكمة الصوم تكمن في أن الثمرة المرجوة من الصيام هي التقوى. والتقوى تعني اتقاء الله؛ أي الاحتماء منه. وحاشا لله أن يحميك منه شيء إلا هو. واتقاء الله يعني، من الناحية التنفيذية، تجنب ما نهى عنه، وتنفيذ ما أمر به.  وكلمة (لعلكم) هنا توضح عدم القطع بتحقق الثمرة؛ لأن الصوم كما سنعرف مستويات ، وليس كل مستوى منها كالآخر فقد أوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك في قوله (رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع و العطش). والصوم الحق هو كما في الحديث الآخر الذي أخرجه الستة عن أبي أمامة (عليك بالصوم فإنه لا عدل له).

8-    يذكر الإمام الغزالي أن علماء الآخرة يرون أن المقصود من الصيام هو التخلق بخلق من أخلاق الله عز وجل وهو الصمدية، والاقتداء بالملائكة في الكف عن الشهوات بحسب الإمكان.

وكلما قمع العبد الشهوات ارتفع إلى عليين، والتحق بأفق الملائكة. والملائكة مقربون من الله عز وجل، ومن يقتدي بهم ويتشبه بأخلاقهم يقرب من الله كقربهم. فإن الشبيه من القريب قريب . وليس القرب قرب مكان، و لكن قرب صفات.

 

ذلك كان مجمل الآراء التي قيلت في حكمة الصوم. إلا أنني أرى، والله تعالى أعلم، أن جميع تلك الآراء صحيح، لأن الصوم مستويات متعددة، وفي كل مستوى تكون حكمة الصوم؛ أي الهدف المطلوب تحقيقه، مختلف وقد يكون هذا سر تعدد تفسيرات العلماء لحكمة الصوم.

 

وكما ذكرنا الصوم مستويات ، قسم الإمام الغزالي مستويات الصوم إلى ثلاثة مستويات رئيسية تتفق ومستويات الدين؛ الإسلام والإيمان والإ حسان. وإ ن كانوا في الواقع العملي كل مستوى رئيسي منها ينطوي على مستويات عديدة.

 

و مستويات الصوم الثلاثة هي: مستوى العامة ومستوى الخاصة ومستوى خاصة الخاصة.

 

مستوى العامة: المطلوب في تحقيقه الامتناع عن شهوتي البطن والفرج؛ وهو ما يسقط الفرض.

 

مستوى الخاصة: وهو صوم الصالحين، وهو كف الجوارح عن الآثام وتمامه بستة أمور:

الأول: غض البصر و كفه عن كل ما يذم و يكره. أخرج الحاكم وقال حسن صحيح أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: (النظرة سهم مسموم من سهام إبليس لعنه الله، فمن تركها خوفا من الله آتاه الله عز و جل إيمانا يجد حلاوته في قلبه) رواه الحاكم وصححه وأقره العراقي وضعفه المنذري عن حذيفة. وأخرجه الطبراني عن ابن مسعود وقال المنذري ورواتهم لا أعلم فيهم مجروحا.

الثاني: حفظ اللسان عن الكذب والغيبة والنميمة والفحش والخصومة والمراء، وإلزامه السكوت وشغله بذكر الله عز وجل فهذا صوم اللسان، أخرج البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الصوم جنة، فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم، إني صائم).

الثالث: كف السمع عن الإصغاء إلى كل مكروه، فكل ما حرم قوله حرم سماعه، قال تعالى: (سماعون للكذب أكالون للسحت).

الرابع: كف بقية الجوارح عن الآثام، من اليد والرجل وكف البطن من الشبهات، إذ لا معنى للامتناع عن الحلال في وقت الصيام ثم الإفطار على حرام. أخرج النسائي وابن ماجة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع و العطش)

الخامس: أن لا يستكثر من الطعام الحلال وقت الإفطار، فيملأ جوفه من الطعام و الشراب ليستدرك ما فاته من طعام وقت صومه. قال صلى الله عليه و سلم (ما ملأ ابن آدم وعاءا شرا من بطنه، فإن كان لا محالة فاعلا، فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه).

السادس: أن يكون قلبه بعد الإفطار معلقا مضطربا بين الخوف والرجاء، لا يدري أقبل صومه فهو من المقربين، أم رد عليه فهو من الممقوتين. وليكن كذلك في آخر كل عبادة يفرغ منها.

 

صوم خاصة الخاصة: هو صوم القلب عن الهمم الدنية والأفكار الدنيوية وكفه عما سوى الله بالكلية، ويحصل الفطر في هذا المستوى من الصوم بالفكر فيما سوى الله عز وجل واليوم الآخر وبالفكر في الدنيا إلا دنيا تراد للدين؛ فذلك من زاد الآخرة وليس من أمور الدنيا. ولقد قال أرباب القلوب: من تحركت همته بالتصرف في نهاره لتدبير ما يفطر عليه كتبت عليه خطيئة، فإن ذلك من قلة الوثوق بفضل الله عز وجل، وقلة اليقين برزقه الموعود قال تعالى: (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين). وهذا مستوى الأنبياء والصديقين والمقربين.  وهو لا يصلح فيه كلام وإنما يجب أن يتم التحقق به وتطبيقه عملا. وهو إقبال على الله بالكلية، وتلبس بقوله تعالى (قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون).

فلننظر لأنفسنا أين نحن.

 

نوافل الصيام:

نافلة صوم رمضان أيضا صيام. فاستحباب الصوم يتأكد في الأيام الفاضلة، وفواضل الأيام بعضها يوجد كل سنة وبعضها يوجد في كل شهر وبعضها يوجد في كل أسبوع. 

ومن صام ثلاثة أيام كل شهر كمن صام الدهر كله كما قال صلى الله عليه وسلم. وأقصى صيام تطوع وأفضله كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم صيام سيدنا داود؛ كان يصوم يوما ويفطر يوما ولا يوجد أكثر من ذلك؛ فقد نهى صلى الله عليه وسلم عن صيام الدهر.

اللهم اجعلنا من عبادك الصوامين القوامين الذاكرين لك كثيرا المتحققين بقولك في الحديث القدسي (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك). متفق عليه.

 

شهر رمضـــان و القرآن:

يقول تعالى (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون ).

شهر رمضان من أسمى المواسم الروحية في الطريق إلى الله سبحانه وتعالى وفي الدخول في عباده الصالحين، ولقد قال تعالى (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله و اليوم الآخر وذكر الله كثيرا).

ولقد تأسى الصالحون برسول صلى الله عليه و سلم في سلوكه في رمضان في أمرين أساسيين:

الأمر الأول: الإكثار من قراءة القرآن.

الأمر الثاني: الإكثار من الصدقة.

 

أخرج الإمامان البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه جبريل في كل ليلة من رمضان يدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه و سلم، حين يلقاه جبريل، أجود بالخير من الريح المرسلة).

وفي هذا الحديث الشريف ربط بين رمضان والقرآن وكثرة الصدقة.

 

القرآن:

هو دستور المسلمين؛ فقراءته عبادة، والتفكر فيه عبادة، واتباعه واجب. فكلما اقترب العبد من تحقيق وتطبيق الأخلاق الموجودة فيه، كلما اقترب من النموذج المحمدي الذي هو النموذج الأمثل للبشر، فهو كما قالت السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها (كان خلقه القرآن).

 

روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن هذا القرآن مأدبة الله، فتعلموا من مأدبته ما استطعتم. إن هذا القرآن حبل الله، وهو النور المبين والشفاء النافع عصمة من تمسك به، ونجاة من اتبعه، لا يعوج فيقوم، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد، فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات أما إني لا أقول: ألم حرف ولكن أقول ألف حرف ولام حرف وميم حرف. ولا ألفين أحدكم واضعا إحدى رجليه يدع أن يقرأ سورة البقرة، وإن أصفر البيوت من الخير البيت الصفر من كتاب الله).

 

وأخرج الترمذي والدارمي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب انه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: (ستكون فتن كقطع الليل المظلم، قلت: يا رسول الله! وما المخرج منها ؟ قال: كتاب الله تبارك وتعالى، فيه نبأ من قبلكم وخبر من بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين، ونوره المبين وذكره الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يمله الأتقياء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا:إنا سمعنا قرآنا عجبا، من علم علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم).

 

وأخرج البخاري عن عثمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (خيركم من تعلم القرآن و علمه).

 

وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله و يتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه).

ولقد وردت أحاديث كثيرة في فضل سور وآي القرآن يمكن لمن يشاء الرجوع إليها.

 

 

ليلة القدر:

يقول تعالى (إنا أنزلناه في ليلة القدر. وما أدراك ما ليلة القدر. ليلة القدر خير من ألف شهر. تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم  من كل أمر. سلام هي حتى مطلع الفجر ).

ما دام القرآن أنزل في ليلة القدر، وأخبرنا تعالى أنه أنزل القرآن في رمضان، فلا بد أن تكون ليلة القدر في رمضان، ولكن أي ليلة من رمضان؟

لم يخبرنا القرآن، ولكن رسول الله صلى الله عليه و سلم حددها على وجه التقريب.

 

أخرج البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: (تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر)

 

ثم يقربها أكثر فيروي عنه البخاري (تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان)

 

و لقد قال أسلافنا عن حكمة إخفائها:

أخفى الرب أمورا لحكم، ليلة القدر في الليالي لتحيى جميعها، وساعة الإجابة في الجمعة ليدعو في جميعها، والصلاة الوسطى في الصلوات ليحافظ على الكل، والاسم الأعظم في أسمائه ليدعى بالجميع، ورضاه في طاعاته ليحرص العبد على جميع الطاعات، وغضبه في معاصيه لينزجر عن الكل، والولي في المؤمنين ليحسن الظن بكل منهم، ومجيء الساعة في الأوقات للخوف منها دائما، وأجل الإنسان عنه ليكون دائما على أهبة.

 

أما فضلها:

 فأوله أنها أنزل فيها القرآن هدى للناس وبينات من الهدى و الفرقان.

و ثانيه أنه تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر.

فعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كان ليلة القدر نزل جبريل في كبكبة من الملائكة يصلون على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله عز و جل، فإذا كان يوم عيدهم باهى بهم ملائكته فقال: يا ملائكتي .. ما جزاء أجير وفى عمله؟ قالوا: ربنا جزاءه أن يوفى أجره. قال: ملائكتي .. عبيدي وإمائي قضوا فريضتي عليهم، ثم خرجوا يعجون إلى بالدعاء. وعزتي وجلالي، وكرمي وعلوي ، وارتفاع مكاني، لأجيبنهم . فيقول: ارجعوا فقد غفرت لكم، بدلت سيئاتكم حسنات. قال: فيرجعون مغفورا لهم).

وثالثه هي سلام من أولها حتى مطلع الفجر (سلام هي حتى مطلع الفجر).

 

من أجل ذلك هي ليلة خير من ألف شهر.

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قام ليلة القدر إيمانا و احتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه.

 

الفهرس

 

 

 

الركــن الخامس

الحـــج

 

فرضية الحج :

يقول تعالى : (و أذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق )

 

و يقول : ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين)

 

و يقول : (وأتموا الحج والعمرة لله )

 

و يقول : (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق و لا جدال في الحج و ما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب )

 

و أخرج البخاري و مسلم عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ( من حج البيت فلم يرفث و لم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه )

 

و قال أيضا : ( حجة مبرورة خير من الدنيا و ما فيها ، و حجة مبرورة ليس لها جزاء إلا الجنة) متفق عليه .

 

و قال : ( استكثروا من الطواف بالبيت فإنه من أجلِّ شيء تجدونه في صحفكم يوم القيامة ، و أغبط عمل تجدونه )

 

و قال : ( استمتعوا من هذا البيت فإنه هدم مرتين و يرفع في الثالثة )

أخرجهما ابن حبان و الحاكم و قال : صحيح على شرط الشيخين .

 

و قال : ( إن الحجر الأسود ياقوتة من يواقيت الجنة ، و إنه يبعث يوم القيامة له عينان و لسان ينطق به ، يشهد لكل من استلمه بحق و صدق ) رواه ابن ماجة و ابن حبان و النسائي و الترمذي والحاكم .

 

الحج سفر إلى الله :

الحج و العمرة ليس انتقال مكاني لزيارة مكان ، و إنما جعل الله الانتقال المكاني تهيئة للإنسان لكي يتحرك روحيا من الداخل و يتفهم أنه ذاهب لملاقاة الله في المكان و الزمان اللذان حددهما الله لمقابلته، فيقول تعالى : ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين )

 

و يقول : (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق و لا جدال في الحج و ما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب )

و الإحساس أنه مسافر من بلده إلى بلد آخر لله يجب أن يقابله إحساس داخلي بالحركة " أنا ذاهب إلى الله بكياني كله ، قلبا و روحا و جسدا ، إني مهاجر إلى ربي" .

و ليس المقصود بالهجرة الانتقال من بلد إلى بلد ، و إنما المقصود هنا الهجرة الحقيقية بأن يترك ما هو عليه من غفلة و تهاجر روحه إلى الله و تنشغل به و تسعى إليه و تقصده . قد يكون العبد مهاجرا و هو في مكانه لم يبرح .

و أصل الهجرة كما في الحديث الصحيح ( المهاجر من هجر السوء ) من هجر كل شيء خلاف مرضاة الله فهو مهاجر .

 

فإذا كان السفر إلى الله أو الهجرة إليه أصلا بالروح ، فإن الله تعالى جعل السفر إليه بالحج انتقال مكاني أيضا لكي تحس الروح بالانتقال هي أيضا .

الجسد غير مكانه الذي تعود عليه في العالم المادي ، و الروح أيضا تنتقل من موقعها الذي اعتادته إلى مكان آخر و هو ملاقاة الله سبحانه و تعالى .

انتقال الروح هذا نعبر عنه حين نقول : لبيك اللهم لبيك ، ألبي أمرك ، أستجيب لك ، قادم إليك ، متوجه إليك ، استجابة لك و طاعة و محبة لك ، كلي لك ، جسدا و روحا و قلبا .

 

الحجيج صنفان:

الأول : سافر إلى الكعبة جسدا فقط ، و عاد جسدا فقط و لم يقابل الله ربه . تحركوا بدون قلوبهم أو أرواحهم .

و هؤلاء حجهم او عمرتهم غير مقبولة إلا برحمة الله ، تفضلا وتكرما و تنازلا منه عز و علا .

الصنف الثاني : تسافر أرواحهم و قلوبهم إلى ربهم و تقابله فعلا ، فتعيش هائمة به سبحانه و تعالى ، غارقة في بحور فيوضاته و محيطات عطاءاته ، أفئدتهم مدركة ( ما كذب الفؤاد ما رأى)

فلننظر لأنفسنا ، من أي الصنفين نحن ؟

 

مراحل الرحلة :

فلنحاول أن نعيش الرحلة ، مرحلة بمرحلة ، و خطوة بخطوة .

 

1-الانتباه من الغفلة التي نعيش فيها ، و الخروج من دوامة الحياة اليومية الدنيوية ، و الإحساس بأن الوقت و العمر قد يفوتان دون أداء الفريضة ، و معرفة و فهم موقع الحج من الدين ، و أنه أحد الأركان الخمسة التي بني عليها الإسلام ، و أن عدم أدائه مع الاستطاعة ذنب عظيم .

 

2-تحري الحلال في نفقة الحج ، فإن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا كما قال المصطفى صلى الله عليه و سلم ، و أيما لحم نبت من حرام فالنار أولى به . فالاستعداد لرحلة الحج كالاستعداد لرحلة الآخرة ، فكلاهما رحلة لملاقاة الله عز و جل .

 

3-إرتداء ملابس الإحرام البيضاء بالنسبة للرجال إستعدادا للخروج لمقابلة الله عز و جل . فكما سوف نخرج من الدنيا بكفن أبيض لملاقاته سبحانه و تعالى ، نذهب لمقابلته عند بيته المحرم في ملابس الآخرة و ليس بمظاهر الدنيا و زخرفها .

 

4-لكي نثبت علاقتنا بالله و للدخول في الإحرام و لكي نؤكد أننا لا نطيع و لا نحب و لا نقصد أحدا غير الله نصلي ركعتين و نقول هذا المعنى في قراءة ( قل يا أيها الكافرون ) في الركعة الأولى ، و سورة الإخلاص في الركعة الثانية .

 

5-أنا ذاهب إليك يا الله ، و تعبي و نصبي و نفقتي كلها لك ، و أن مشوار حياتي كله لك و خاصة هذه الرحلة كلها لك ، فأقول : أنا ذاهب إليك ، مهاجر إليك ، مستجيب لندائك ، فأنت الذي أمرت سيدنا إبراهيم عليه السلام أن يؤذن في الناس بالحج لكي نقابلك عند المعلم ، عند النقطة التي حددتها على الأرض و هي الكعبة ، " لبيك اللهم لبيك "

 

6- الطواف حول الكعبة صلاة كما قال الرسول عليه الصلاة و السلام ، و يبدأ الطواف من الحجر الأسود أو الأسعد سبعة أشواط و تقول الدعاء المأثور عند بداية الطواف و عند بداية كل شوط ( بسم الله و الله أكبر ، اللهم إيمانا بك ، و تصديقا بكتابك ، و وفاءا بعهدك ، و اتباعا لسنة نبيك صلى الله عليه و سلم )

الطواف بالكعبة كطواف الملائكة بالبيت المعمور في السماء السابعة ، و هو دوران من اليمين إلى اليسار مثل كل الموجودات في جميع الأكوان بدأ من الذرة إلى كواكب المجموعة الشمسية إلى المجرات ، كل لا بد أن يكون في حالة دوران حول نقطة مركزية من اليمين إلى اليسار . و أنت أيها الإنسان لك دوران حول نقطة مركزية في الأرض و هي الكعبة من اليمين إلى اليسار أيضا .

و الذي يصدق في الطواف و لا ينشغل بالناس و لا بأي شيء حوله إلا أن يكون مع الله فقط في طوافه، مستسلما لله متفكرا فيه عز و علا ، متوجها إليه ، طالبا منه بمحبة و بإقبال عليه بقلبه و روحه ، إذا فرغ من طوافه يشعر أنه مأخوذ لا يدري بنفسه ، أين كان و ماذا يفعل .

أما الذي ينتبه بعقله ، و يريد أن يفرغ من الطواف ، و ينشغل بالخلق و من حوله ، هذا الشخص لم يطف حول الكعبة إلا بجسمه فقط ، أما قلبه و روحه فلم يطوفا معه . " اللهم لا تجعلنا منهم " .

 

7- بعد الطواف نصلي ركعتين في حجر سيدنا إسماعيل ، و وجود سيدنا إسماعيل في هذا المكان بأمر من الله لأبيه سيدنا إبراهيم ، أحضره سبحانه و تعالى إلى هذا المكان و تولاه و رعاه .

يقول تعالى على لسان سيدنا إبراهيم (ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون )

كل منا يكون في موقف سيدنا إسماعيل من عجز و ضعف و افتقار إلى الله يأخذ من التولي و الرعاية مثلما أخذ هو . هذا مقام التوكل عليه سبحانه و التفويض له .

 

8-بعد ننتقل إلى الصلاة خلف مقام سيدنا إبراهيم عليه السلام ، و هو مؤسس منطق معرفة الله كله.

قال تعالى (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى )

فبعد التوكل و التفويض في حجر إسماعيل ننتقل إلى مقام التسليم لله في كل الأمور عند مقام سيدنا إبراهيم ، يقول تعالى عن موقف سيدنا إبراهيم ( إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لله رب العالمين )

فهذا مقام التوحيد و التسليم لله .

 

9-بعد ذلك نشرب من ماء  الحياة الحقيقي الذي هو الروح ، لأن الروح في تكثفها على الأرض هي الماء ، و هو سر الحياة كله .

يقول تعالى (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح و كان الله على كل شيء مقتدرا )

طالما الماء في النبات هو حي ، حينما يجف و يخرج منه الماء يصير حطبا و هشيما تذروه الرياح .

كذلك الإنسان ، حين يموت و تخرج منه الروح التي هي سر الحياة ، يدفن في الأرض و يجف و يتحلل مثل النبات .

و ماء زمزم خير ماء على وجه الأرض ، لذلك من السنة الشرب منه حتى نتضلع ، و هو لما شرب له كما أخبرنا المصطفى صلى الله عليه و سلم .

 

10-ننتقل بعد ذلك للسعي بين الصفا و المروة استجابة لأمره تعالى (إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم )

و هو كسعي أم العرب السيدة هاجر بينهما و هي متوجهة إلى الله عز و علا تطلب منه أن يسقي إبنها الرضيع و هو عطشان و يكاد يموت من العطش .

هذا موقف ضعف و فقر ، تريد الإنقاذ و قلبها متوجه إلى الله يطلب منه .

كن في هذا الموقف على الدوام ، و تذكر انك العبد الفقير المحتاج المضطر ، توجه إلى الله بالطلب و الدعاء و الإلحاح و هو سبحانه و تعالى يجيبك على الدوام فهو القائل ( أدعوني أستجب لكم ) و هو القائل أيضا (أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء )

و تردد السيدة هاجر بين الصفا و المروة تردد بين الخوف و الرجاء ، فكن دائما معك هذان الجناحان ، الخوف و الرجاء .

 

11-نذهب بعد ذلك للوقوف بعرفة ، قال صلى الله عليه و سلم  ( الحج عرفة ) . و في هذا الموقف ترى الخلائق مجتمعة من كل لسان و لون كما يجتمعون في الموقف للحساب يوم القيامة . فقف ضارعا متذللا لله متذكرا ذنوبك و تقصيرك و تفريطك في حقه عليك سبحانه و تعالى . اطلب منه أن يتوب عليك و يعفو عنك لتتوب أنت فهو القائل

(ثم تاب عليهم ليتوبوا ) ، كن في موقف العبودية و الرق له سبحانه .

 

12-حين نرمي الجمار نتذكر موقف كل من سيدنا إبراهيم و سيدنا إسماعيل و السيدة هاجر من طردهم للشيطان و رجمه و تمسكهم بطاعة الأمر الإلهي .

فارجم شيطان نفسك و سائر شياطينك الذين يأمرونك بمعصية خالقك و يزينون لك ذلك .

 

13-حين تذبح هديك فأنت تذبح حرصك و تمسكك بالدنيا . فالهدي أنت بذلت فيه من المال ، و أنت حين تذبحه لله تخرج من حرصك على هذا المال إرضاء لله .

 

14-التحلل من الإحرام . قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( رحم الله المحلقين ثلاث مرات و المقصرين مرة واحدة ) أخرجه الشيخان و ابن ماجه و الترمذي و أحمد و الطبراني في الكبير و الأوسط ؛ لابد أن هناك سر في أفضلية الحلق عن التقصير .

 

كل أفعال الإنسان عبارة عن إخراج لطاقة بمفهومنا العلمي المعاصر ، و الطاقة يصدر عنها ذبذبات تؤثر فيما حولها ، و أول ما يتأثر هو الجسم ، و يتجمع أثر ذلك في القلب ، ليس القلب المادي الذي يضخ الدم ، و إنما في القلب الموجود في الجسم الأثيري للإنسان ، و هو القلب الذي تحدث عنه الله في قوله تعالى ( يوم لا ينفع مال و لا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ) .

فكل فعل من أفعال الخير يشعر الإنسان في قلبه و جسمه بنوع من الطمأنينة و السكينة و السعادة . و كل فعل من أفعال الشر يجد فاعله التوتر و الانزعاج و القلق في قلبه و ألم في جسده .

و الجسم الأثيري الذي يوجد فيه القلب المحاسب يوجد داخل جسمنا هذا و مطابق له و يسمى النفس .

 

و لقد تمكن العلم الحديث من تصويره و عرض هنا في مصر من سنوات عديدة في برنامج العلم و الإيمان للدكتور مصطفى محمود ، و ظهر اختلاف شكل الذبذبات الخارجة من هذا الجسم حسب نوع الفعل من عبادة أو غير ذلك .

 

و هذه النفس هي التي هي التي تغادر الجسد في حالتين ، الأولى النوم ثم تعود إلى الجسم المادي بالاستيقاظ ، و الثانية بالموت فتغادره بلا عودة إلى يوم القيامة .

فيقول تعالى ( و هو الذي يتوفى الأنفس حين موتها و التي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها و يرسل الأخرى إلى اجل مسمى ) .

 

فآثار الأعمال في الجسم الأثيري تتجمع في القلب ، أما في الجسم المادي فآثار الأعمال فتتجمع في شعر الرأس ، لذلك أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم بحلق الشعر للرجل للتحلل من الإحرام في الحج أو العمرة لكي ينمو شعر جديد ليس فيه آثار الذنوب .

و أنت تشعر بشعر رأسك يقف في مواقف معينة ،لأنه يعمل مثل ( اريال ) الاستقبال .

 

العــــمرة :

يقول تعالى ( و أتموا الحج و العمرة لله ) . و العمرة نافلة الحج ، و تقرن بالحج و تفرد ، و يمكن أدائها في أي وقت من العام .

 

هذا كان آخر الحديث عن الفرائض و الأركان الخمسة .

الفهرس

1